خطوات صغيرة في شوارع كبيرة(2-10)
مهند طلال الاخرس

على عكس كثير من عواصم ومدن وطننا العربي الكبير، لم تسر خطواتي كثيرا في شوارع الجزائر لكي تكتشف كل ذلك الحب الكبير لفلسطين… وقد يكون من المفيد هنا التأكيد على ان كثيرا من عواصم الوطن العربي ومدنه ورغم انها بُنيت ونهضت بسواعد وعقول فلسطينية إلى ان تلك الشوارع لم تقابل الوفاء بالوفاء بل قابلت كل ذلك العطاء بقليل من الوفاء وبكثير من الغدر واستباحة الدماء، فبعض تلك العواصم والمدن اللقيطة اعطيناها اعمارنا فاعطتنا الشيب، وبعضها أعطيناها ارواحنا ودمائنا والاهم مستقبلنا؛ لكنها اعطتنا ايلول وسلبت المستقبل وكتمت الماضي وزورت التاريخ، وبعضها اعطيناها حباً وعنفواناً فاخذت حصتها منا في ايار دماً وامعنت بالفتك بنا شهورا وسنوات لم تنتهي، حتى انها احبت لنا السُكنى في بيوت الصفيح والزينكو ومنعتنا من العمل في مائة مهنة تأكيدا منها على وقوفها معنا في معركة العودة ..!

في الجزائر ان سرت في الشوارع تجد فلسطين حاضرة بعلمها على سواري الاعلام، وان طالعت صحفها وجدت فلسطين حاضرة وبقوة وفي معظم الاقلام والاخبار التي تزين الصفحات، في الجزائر تصادف وجودنا بوفاة احد الاعمدة الصحفية المناضلة والجريئة واكثرها نبلا علي فضيل صاحب جريدة الشروق وباني مجموعتها، لكن الاهم انه كان علامة فارقة اسهمت ببناء كل ذلك الحب لفلسطين وقضيتها….

في الجزائر تجد الفعاليات التضامنية مع فلسطين اينما تسير وبغير قصد؛ في الجزائر تصادف وجودنا ايضا مع فعالية تنظمها جمعية البركة للعمل الخيري والانساني، التقينا رئيسها واعضائها وحاورناهم واطلعنا على فعالياتهم ونشاطاتهم، زودونا بأعداد من نشراتهم ومجلاتهم، تصفحت مجلتهم، ذهبت الى فهرسها وجدتها فلسطينية في كل شيء، لكن الاجمل اني وجدت عنوانا للصفحة 18 من المجلة يتحدث عن ابعاد علاقة الشعب الجزائري بفلسطين، كان هذا العنوان مدار بحث الكاتب د. مراد كير على صفحتين على ان يتبع في العدد القادم، كان هذا البحث وهذه العلاقة تحت عنوان رئيس :” كيمياء الرباط”، في ذلك النشاط سررنا بتلك الفتيات الرائعات من منتسبات الجمعية وهن يتجللن بعلم فلسطين، وسررنا اكثر بحلقات وورشات العمل التوعوي والتعبوي التي يقمن بها لاطفال الجزائر، حضرنا ورشة الرسم ومسابقة للاطفال وكانت المسابقة متخصصة برسم القدس والتعريف بها، تبعها اغنية يرددها الاطفال مع الاستيريو، كانت الاغنية كلماتها تقول يارب تنصر الاقصى ويرردها الاطفال بكل حب.

في الجزائر ان “حوست” في شوارعها وسألت اي جزائري عن اي عنوان يتعرف عليك من لهجتك سريعا فينتفض ويبتسم بنباهة قائلا: الاخ فلسطيني؟ تسرّ انت وتأخذ غايتك ومرادك من الحب والوفاء وتمضي لكي تكمل طريقك كما يمضي العشاق في قلوب محبيهم…

في الجزائر مثلنا تماما بفلسطين، لكنهم اجمل! فصاحب الفضل دائما جميل، فهم يعيدون لنا لساننا الكنعاني الاصيل، طبعا هذا ما تكتشفه سريعا ان سمعت كلمة ” على ايش تحوس اخويا” بمعنى على ايش بتلف وبدور “بتحوس” وهي كلمة جميلة جدا من افواههم كان اخر عهدي بها منذ سمعتها من شفاه جدي عمر وجدتي هيجر رحمهما الله، وعلى جمال الكلمة وذكرايتها الضاربة بالحنين سقطت من مقلتي دمعتين ووردة…

في الجزائر تطرق العنان لحبك ولاقدامك للتجوال في كل الاماكن، وتجوب كل الشوارع وكل ما تستطيع قدماك ان تحتمله من تعب ومسير، وما تحتمله عيونك من جمال الارض والانسان، لا يمكن لاحد في الجزائر ان يوقف خطواتك، إلا اذا هي اخذت هذا القرار نتيجة التعب او اشياء اخرى…

في الجزائر لا حدود للزمن ولا للايام، وكذلك لا حدود لحب فلسطين…

في الجزائر تفخر بنفسك وبها وانت تردد “بلاد العرب اوطاني”، ففي الجزائر يختلف طعم ومذاق تلك الحروف والكلمات عن غيرها من وطننا العربي الكبير.

لم اكن وحدي يملئني ذلك الشعور ويغمرني كل ذلك الحب تجاه الجزائر، كل من كانوا معي كانت تنبض قلوبهم بتسارع منذ وطأت اقدامنا ارض الجزائر، لا بل ان الكثير منهم فاضت دموعهم بسخاء تعبيرا عن كل ذلك الحب، وفي نفس المقام كان هذا الحال ديدن كل من احب الجزائر وتعمق وتعمد في حبها، ويكتمل هذا الحب ان تكحلت عيناك برؤيتها ويشتد ذلك الغرام وتصاب بالعشق والوله منذ ان تطأ اقدامك ترابها.

قد يحدث ان تعود لزيارة الجزائر مرة اخرى، لكن هذه المرة وبعد كل هذا الحب ستخلع نعليك بمجرد ان تطأ اقدامك ترابها، فمثل هكذا اوطان كل مكان وكل ذرة تراب فيها تصلح لان تطبع قبلاتك عليها…

لم يكن هذا الحال حالنا وحدنا؛ كان حالنا كحال الكثيرين غيرنا ومنهم الشاعر الكبير نزار قباني الذي وقع تحت تأثير ذلك السحر منذ ان وطأت اقدامه ارض الجزائر فقال:” لا يمكن أن يكشف وجه الثورة الجزائرية إلا من رأى إنسانا جزائريا، ولا يمكن أن يعرف طبيعة الثورة إلا من تكلم او دخل حوارا مع جزائري او جزائرية.. إن كل محاولة لفهم الثورة الجزائرية من بعيد تبقى محاولة نظرية أو ذهنية كبعض أشكال الرسم التجريدي أو بعض أشكال الحب العذري وأنا لم أخرج من مرحلة الحب العذري الجزائري إلا حين وطات قدماي للمرة الأولى أرض الجزائر..” وانا ايضا حالي من حال نزار لكني خرجت من مرحلة الحب العذري منذ ان وطأت اقدامي ارض الجزائر في تشرين الثاني 2019 ليتأكد كل ذلك الحب ويتعمد .

مقالات ذات صلة