ثلاثي رهان الصراع السياسي وهوامش المناورة للرئيس المقبل
بشير عمري

يصر الحراك في مطلبه السياسي على ضرورة الانتقال الحقيقي ويصر النظام على مجرد الاغتسال الجزئي، من خلال المرور كالعادة تحت شلال انتخابي ضعيف التدفق والسيلان الشعبي ما سيعني بالضرورة بقاء الوضع القائم منذ سنة 1962 على حاله، إذ لا يبدو أن هذا النظام ومن يمشي خلفه ويدافع عنه، على استعداد لفهم معنى فقدان الشرعية وأبعادها المتجاوز للعملية الانتخابية بوصفها مكانيك عملي للسياسة ليس إلا، فليس يغدو شرعيا كل أمر مرَّ أو مُرر على صناديق الاقتراع، وإلا هل حقا حلت الانتخابات البرلمانية المتتالية التي أعقبت انقلاب 1992 أزمة النظام والبلد ككل؟ هل حل الاستفتاء حول قانون المصالحة الصطنعة أزمة الدم والدمار في الوعي الشعبي بعدما أريد منها إعدام وليس إعلان حقيقة ما جرى، حتى يفهم المواطن ويتفهم ما يجري وما سيجري؟

طبعا لم يحدث هذا بالمرة واستمرت العمليات الانتخابية وفق تفكير وأسلوب مهندسي العمليات السياسية منذ جانفي 1992 فارغة من كل محتوى وجوهر حقيقي يحمل معنى من معاني الصالح العام والوطني، واختزل الغرض منها في ضمان استمرار آليه الحكم وسير الدولة ليس أكثر،  وبالتالي بدى للكل غياب المشروع الوطني كنتاج طبيعي لغياب المشروعية بسبب انتفاء الفكر الوطني الذي يوفر الأطر والخلفيات والأساسات التي عليها تتأسس المشاريع السياسية، فكر وطني كان قد قُطع معه بعنف في اللحظة الحاسمة التي صادرت بها الجماعة الانقلابية البلد وتراثه السياسي وثرواته الرمزية، المادية والطبيعية.

وإذا كانت هاته الأزمة المكنونة عناصرها في رماد تاريخ الاستقلال الوطني، قد استعسر على الجميع حلحلتها في لحظة هدوء وطني نسبي التي تلت الحرب الأهلية، فكيف يمكن للرئيس الجدد حلها في هذا الخضم من الاضطراب الشامل الذي تعيشه البلاد والتشظي الكلي للساحة السياسية ؟ وكيف سيتعامل مع الفاعلين في الأزمة السياسية الخانقة الحالية؟

 

ثلاثي المواجهة القادمة

مبدئيا فإن النظام ليس يصر على تمرير الانتخابات بشتى الطرق لشيء سوى لغاية واحدة، هي لمواجهة الشارع المطالب بالتغيير، بحجة أن التغيير قد تحقق والشرعية انبسطت وبتلك الشرعية سيغدو ضرب الشارع شرعي ! وهذي هي المهمة التي ستوكل للرئيس الجديد خارج ما يُعلن عنه من برنامج الترشح.

طبعا سيتواصل مع إصرار النظام ذلك، إصرار  الحراك على مطالبه بالانتقال الشامل لا الاغتسال الجزئي في منظومة الحكم، وهو ما سيعنى رفض جديد لحلقة من مسلسل الشرعيات المفروضة والمرفوضة، ولربما كان الرفض القادم للشرعية هو الأهم في التاريخ السياسي للجزائر على اعتبار أنها جاءت ضد إرادة ثورية شعبية حقيقية، واستفتاء مليوني متواصل منذ سنة بذات النتيجة وهي لا للنظام القديم، شارك فيه الجزائريون بمختلف مشاربهم وتياراتهم وأطيافهم الثقافية، الآيديلوجية والعرقية.

هكذا وضع سيعطي جرعة لفلول الدولة العميقة (أزلام العصابة) من إيجاد فرص ولو على الهامش للتموضع في معركة كسر العظم المتوقع اندلاعها بعد 12 ديسمبر المقبل، بين الشرعية الجديدة للرئيس المفروض والشارع الرافض له، ما قد يفاقم من الوضع ويقود البلاد إلى ما لا يحمد عقباه.

من رئيس أزمة إلى أزمة رئيس

كل ذلك يجعلنا أمام سؤال ضخم حول قدرة الرئيس الجديد من ضمن الخمسة الذين قبل بهم النظام، في ضبط ميزان الصراع المقبل وتحرر من ضغوط الأطراف الثلاثة، الحراك الشعبي، بقايا النظام القديم (السلطة الفعلية) وفلول الدولة العميقة (العصابة)، وقبل السؤال عن قدرته على ذلك من عدمها، يستوجب السؤال عن طبيعة هذا الرئيس، خلفيته، مرجعيته التنشيئية، وهنا يبرز القاسم المشترك لدى الخمسة في كونهم كلهم جلسوا لمراحل مختلفة في حجر النظام السياسي، استوزرا واستعملا سياسيا، ما يعني أنه مثلما يعتبر بعضهم أن ذلك مزية وليس عيبا كونه سمح له بأن يعلم ويعرف كل شيء عن النظام، فإن النظام يعرفه جيدا وهو مطمئن لاستعماله وفق ما يريد وما لا يريد في الأفق القريب.

وهنا لاحظ المدققون من المتتبعين للمشهد السياسي الجزائري المأزوم أنه في كل أحاديثهم للصحافة مذ تم إعلان قبول ملفاتهم، يستنكف هؤلاء الخمسة من المترشحين للرئاسيات المقبلة عن الحديث بتفصيل بخصوص ثقل الأزمة السياسية وتعقيداتها، ويركزون على أهمية الإقلاع الاقتصادي باعتباره الخطر الذي بات يقترب أكثر من الجزائر ويتهددها بالإفلاس، وحين يجرون بالإلحاح للحديث عن أزمة البلاد السياسية يكتفون بالشارة إلى أنهم سيفتحون حوارا مع الحراك، ويواصلون تطهير البلاد من الفساد (ضرب السلطة العميقة) فيؤ مقابل ذلك يتلافون الحديث عن شاكلة التعاطي مع الطرف الثالث في الأزمة وهي السلطة الفعلية وكيفية التعامل معها وهي المرفوضة شعبيا والمستهدفة بالتغيير حراكيا.

كل ذلك يؤشر إلى أن رئيس الأزمة الذي سينتخب يوم 12 ديسمبر، قد يجد نفسه قبل التصدي لأي مشروع اقتصادي بمخطط عادي أو استعجالي، بصدد تحديد تموقعه والبحث عن استقلالية قراره في التعامل مع الوضع القائم، وطبعا ما ظل مؤكدا هو أن الاستقلالية التامة غير متوفرة حاليا أسبابها وبالتالي سيكون مجبرا على الانحياز والخضوع وساعتها سيتجلى الفراغ في محتوى العملية الانتخابية.

شرعية العلمية الانتخابية  من شرعية العملية السياسية

لا شرعية للعملية الانتخابية بلا شرعية للعملية السياسية، والسياسة في الجزائر، عبر مراحل عقودها الست من المصادرة، عُسكرت، ثم استُخبرت، ثم أفسدت بالمال من أجل أن لا تثمر على التغيير التاريخي والحقيقي المنشود، بوصفها أداته ومناطه وحقله الطبيعي.

ونتصور أن نبع اللا شرعية هو هذا الجدار من الإصرار على كتم الحرية السياسية والاجهاز على كل جيل وليد يريد أن يقيمها ويستقيم عليها بما يعطي للبلد فرصة إيجاد مجتمع سياسي ومدني حقيقي  وقوي يعيد بناء الأمة على أسس صحيحة.

من هنا تتجلى خطورة المرحلة القادمة من كونها تفوق قدرات الخمسة ممن رشحتهم السلطة الفعلية لقيادة بلد عُطلت قدراته وتراكمت مشاكله ويُراد له اليوم أن يرتهن مجددا لرئاسيات عُرسانها أجادوا الفشل في القطاعات التي تولوا وزاراتها تباعا، فكيف سيجيدون النجاح في قيادة الأمة؟

بشير عمري

كاتب سياسي جزائري

 

مقالات ذات صلة