المستوطنون هل يربكون الاحتلال؟
أسامة عثمان

يُجمع قادة الاحتلال على أنّ وصول المستوطنين إلى حالة الصدام، بل الاستهداف المباشر لقوّات جيش الاحتلال في الضفة الغربية، يُعَدُّ تجاوزا للخطوط الحمر. وهذا أمر واضح؛ إذ ليس من سياسة دولة الاحتلال تصغير مكانة جيشها، ولا من سياستها كذلك إطلاقُ يد المستوطنين تماما، وَفْق تقديراتهم الخاصة، ووفق تقديرات غُلاة المتطرِّفين منهم، كما أولئك الذين يقبعون في مستوطنة يتسهار التي يتركّز فيها غلاة المستوطنين العنصريين، التي وصفتها صحيفة «نيويورك تايمز» بأنها «معقل متطرِّف»، وهي التي سبق أن قال جهاز الأمن (الشاباك) عنها: «إنّ جرائم الكراهية تُعزى أساسًا إلى حوالي 100 شاب متطرّف.
وفي جديد اعتداءات مستوطني يتسهار اقتحامُهم بلدة يتما الفلسطينية، جنوب نابلس، حيث أعطبوا إطارات عدد من المركبات الخاصة، وخطُّوا شعارات عنصرية، وتلمودية على ممتلكات المواطنين الفلسطينيين. ومع أنه ليس جديدا اعتداء المستوطنين في الضفة الغربية على الفلسطينيين وممتلكاتهم، ولكن الأمر ـ وفق الجيش والقادة السياسيين- يجب أن يبقى مضبوطا، ومتماشيا مع التقديرات السياسية والأمنية. ونستذكر هنا تحذيرات سابقة لجهاز (الشاباك) من جرائم المستوطنين المتطرِّفين في مستوطنة «يتسهار»؛ خشية أن تؤدِّي جرائمهم إلى عمليات فلسطينية ضدَّ إسرائيليين.
لكن أن تصل اعتداءاتُهم إلى جيش الاحتلال مباشرة – حين يرى المستوطنون في أفراده، عقبة أمام أهدافهم – من شأنه أن يربك مؤسسة الجيش، ويهدِّد- إن جرى التراخي مع فاعلِيه – بالمزيد من المواجهة مستقبلا. وقد سبق للمستوطنين أن رفضوا تنفيذ تعليمات الدولة، ووقفوا في وجه قوّات جيش الاحتلال. كان ذلك في فترات سابقة، قبل أن يتعاظم نفوذ المستوطنين وأحزابُهم الدينية والقومية المتطرّفة، في الحكومة. ومع ذلك، لم يكن أمام رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، إلا أن يدين، وبشدّة، إصابة جندي احتلالي، من لواء جولاني، بعد رشقه بالحجارة، قرب مستوطنة يتسهار المقامة على أراضي نابلس، قائلا: «أدين، بشدَّة، أيَّ هجوم على جنود الجيش الإسرائيلي، ولن يكون هناك تسامح مع الخارجين على القانون». وكذلك كتب بيني غانتس، رئيس حزب أبيض أزرق، على صفحته على فيسبوك: «أثق في أن القانون سيأخذ مجراه، وستتمُّ محاسبة المذنبين، وشعب إسرائيل يقف خلف الجيش الذي يحميه، منذ عقود». كما انتقد مسؤولون من المستوطنة الهجوم الذي قامت به مجموعة من المستوطنين من سكَّان المستوطنة، وقالوا: «إنّ هذا أمر فاضح، ولقد تجاوز هؤلاء الخطوط الحمر».
ولكنّ صحيفة «هآرتس» تحدثت مؤخَّرا، عن «تجاهُل» حكومة نتنياهو لتوصياتٍ تلقَّتها، خمس مرَّات، خلال العام المنصرم، من جيش الاحتلال، بهدم مقطورة تابعة لبعض أكثر المستوطنين الشبَّان تطرُّفا في كومي أوري، التي تقع على بعد ثلاثة كيلومترات جنوب يتسهار. ورفض متحدِّث باسم مكتب رئيس الوزراء التعليق على التقرير. وفي هذا الموقف دلالات؛ بعضها سياسية سُلطويَّة؛ تتضح حين تُفهَم في سياق علاقة نتنياهو بالأحزاب الدينيَّة المتطرِّفة وقادة المستوطنين؛ إذ هم حليف له ولحكومته، وعليهم كان يعوِّل في تشكيل حكومة جديدة، في وقت هو في أمسّ الحاجة إلى ذلك، بعد الانتخابات الثانية التي أُجريت وبعد إخفاقه في تشكيل حكومة، عقب الانتخابات السابقة قبل أشهر، وهذه الحاجة الماسّة ليست بسبب شهوته العارمة للزعامة، وأن يكرّس نفسه، أكثر، ملكًا من «ملوك إسرائيل»، ولكن أيضا لحاجته إليها، للنجاة بنفسه من تُهَم الفساد وخيانة الأمانة التي تلاحقه، وقد تقضي على مستقبله السياسي، وقد تلقي به في السجن.
وفي تغاضي نتنياهو عن تجاوزات المستوطنين الخطيرة، دلالة استراتيجية؛ إذ تأتي في ظلّ تمادي مشروع الاستيطان، الذي يقوده نتنياهو، وتطاوله إلى حدّ إعلان عزمه على ضمِّ مساحات كبيرة واستراتيجية من الضفة الغربية، كما صرّح بعزمه ضم منطقة الأغوار وشمال البحر الميت، البالغة حوالي 30% من مساحة الضفة الغربية، إذا ما منَحه «شعبُ إسرائيل» الثقة، ومُكِّن من رئاسة الحكومة الجديدة.

وتتشكّل هذه الحالة الاستيطانية العدوانية وسط دعم أمريكي معلن للاستيطان، كما جاء على لسان السفير الأمريكي لدى الاحتلال ديفيد فريدمان، وكذلك مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط جيسون غرينبلات، الذي رأى بأنّ «المستوطنات لا تعوق التوصّل إلى حلّ سياسي». ويحدث ذلك بعد اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، ونقله سفارة أمريكا إليها، وبعد اعترافه بفرض السيادة الاحتلالية على هضبة الجولان. وهنا سؤال، لا بدَّ منه، عن موقف السلطة الفلسطينية من تفاقُم اعتداءات المستوطنين، وحرقهم المساجد، وحرق أشجار الزيتون، وقطعها، مثلا، وقد أصبحت تلك الاعتداءات منظَّمة ومستمرَّة، وليست مجرَّد اعتداءات فردية متفرِّقة. «كما الجرائم التي تقوم بها عصابات ما يسمَّى «تدفيع الثمن» تجري، من دون أيِّ عوائق، منذ نحو عقد، حيث ارتكبت هذه العصابات، على مدار السنوات الماضية، مئات الاعتداءات وأعمال التنكيل ضد الفلسطينيين، سواء من سكان الضفة الغربية أو من أراضي 48».
الأداة الأبرز التي تطرحها السلطة الفلسطينية هي المحاكم الدولية، وهو مسار لم يثمر، حتى تُجاه قادة الاحتلال أنفسهم، الذين ثبت تورُّطهم في جرائم حرب؛ لأسباب تعود إلى الحماية الأمريكية، والضغوط التي تمارَس على السلطة؛ لجهة التراخي في متابعة متطلَّبات هذا المسار القانوني. وتطرح السلطة الفلسطينية كذلك خيار المقاومة الشعبية التي أضحت أقرب إلى المعاني الرمزية والإعلامية المعتادة. وفي المقابل لا تتهاون السلطة الفلسطينية في الوفاء بمتطلَّبات التنسيق الأمني، بمعزل عن التطوُّرات السياسية، والأزمات مع الاحتلال، والملاحظ أن تجرُّؤ المستوطنين زاد منسوبُه، مقارنة بمراحل سابقة كانت الأجواء تسمح بعمليات مقاومة تستهدف قوَّات الاحتلال، والمستوطنين. ولا يخفى أن وصول المستوطنين، أو قسم منهم، إلى مرحلة الصدام مع جيش الاحتلال، كإصابتهم الجندي من لواء جولاني، وكذلك إحراقهم خيمة يستخدمها أفراد من فرقة حرس الحدود التابعة للشرطة، يعكس المدى الذي بلغه المتدينون العنصريون في دولة الاحتلال ومجتمعه، كما أن ذلك يدلّ على أزمة، أو بدايات أزمة، في المرجعية؛ هل هي (الدولة وجيشها)، أم هم الحاخامات ونزعات الكراهية غير المكبوحة؟ ومع أنهم قد يتفقون في المآل الأخير، ولكنّ طغيان كراهية المستوطنين وعنصريتهم، على تقديرات السياسيين والأمنيين وتوقيتاتهم، من شأنه أن يديم الإرباك، ولا سيما إذا قدّم سياسيون أمثال نتنياهو مزيدا من التنازلات للمستوطنين؛ لمآرب شخصية سُلْطوية.

مقالات ذات صلة