عن أي حكومة وحدة وطنية يتحدثون؟

سامي بيريتس – محلل سياسي اسرائيلي/

حتى لو تفاقم الوضع الأمني الذي شل نصف الدولة أمس، وأدى إلى تأليف حكومة وحدة، ثمة شك في أن تستطيع حكومة كهذه البقاء وقتاً طويلاً. كثيرون يحنّون إلى حكومة الوحدة التي تألفت بين الليكود برئاسة يتسحاق شامير، وبين المعراخ برئاسة شمعون بيرس في سنة 1984، ويرون فيها دليلاً على أن حكومات الوحدة الوطنية يمكن أن تكون ناجحة جداً. لكن الذين يحنّون ينسون ظروف إقامة هذه الحكومة. كان الجيش الإسرائيلي غارقاً في الوحل اللبناني، والتضخم ركض ووصل إلى ذروة 450% في تلك السنة. اقتصاد إسرائيل كان على حافة الإفلاس، وفرض هذا الأمر قرارات صعبة. خطة توطيد الاقتصاد التي نُشرت في سنة 1985، هي التي أخرجت الاقتصاد من الأزمة. حكومة الوحدة تألفت في ذلك الوقت في ظل شرطين: تعادُل سياسي، وأزمة وطنية خطرة.
في العودة إلى سنة 2019: التعادُل السياسي موجود. هل هناك أزمة وطنية خطرة؟ رئيس الحكومة المنتهية ولايته يحاول أن يقنعنا بوجود مثل هذه الأزمة، واسمها “إيران”. سواء في أنشطتها النووية أم في إصرارها على تطوير وجود [عسكري] في سورية على مسافة قريبة من هضبة الجولان. إذا تطور مثل هذه الأزمة، يصبح قيام حكومة وحدة وطنية أمراً مفروغاً منه. هذا ما جرى في الأمس في أعقاب اغتيال المسؤول الكبير في حركة الجهاد الإسلامي في غزة، والذي أدى إلى هجوم بالصواريخ على إسرائيل.
هل ستؤدي هذه الحادثة إلى حكومة وحدة؟ الموقف الرسمي هو أن إسرائيل لا ترغب في التصعيد، وأن ما جرى هو اغتيال موضعي ولا عودة إلى سياسة الاغتيالات. لكن الواقع يمكن أن يتطور بصورة تظل فيها مشكلة غزة على نيران قوية. طبعاً هذا الأمر يخدم نتنياهو الذي يفضل إبقاء وضعه القانوني على نار هادئة.
هذا الأسبوع قال رئيس حزب أزرق أبيض إن ما يمنع إقامة حكومة وحدة هو المأزق القانوني. كثيرون في إسرائيل يعتقدون أننا فعلاً في أزمة. ليست أزمة أمنية ولا اقتصادية، بل أزمة شخصية، تحولت إلى أزمة ديمقراطية. في مركز الأزمة هناك التحقيق مع نتنياهو واحتمال توجيه لوائح اتهام ضده.
من الصعب تحقيق وحدة حول طريقة حل الأزمة الديمقراطية. لقد أُقيم حزب أزرق أبيض كي يضع معياراً بموجبه لا يكون رئيس الحكومة في إسرائيل شخصاً توجّه ضده لائحة اتهام، و من أجل كبح التآكل المستمر في مكانة حراس الدولة وترميم الدولة. ليس لحزب أزرق أبيض مهمة أكثر أهمية، لا على الصعيد السياسي، ولا الأمني، ولا الاقتصادي.
نتنياهو من جهته، يخوض حرب بقاء، ويحاول زعزعة ثقة الجمهور بالشرطة وبجهاز القضاء، لمنع إحالته على المحاكمة. صيغة الخطوط العريضة التي اقترحها الرئيس رؤوفين ريفلين من المفروض ظاهرياً أن تحل المأزق، لكنها عامة للغاية ولا تتضمن تسويات واضحة تتعلق بالمسألة المركزية: هل من الممكن أن يتولى رئيس حكومة منصبه في ظل لائحة اتهام.
منذ بدء التحقيق، خصص نتنياهو جزءاً ليس قليلاً من وقته لخوض المعركة القضائية. إذا وُجهت إليه لائحة اتهام، فإن هذا سيتفاقم. هذه مشكلة عملية تتناول القدرة على العمل، ولا أقل من ذلك- مشكلة أخلاقية. إذا لم يفِ زعماء أزرق أبيض بوعودهم للناخب، وجلسوا مع نتنياهو في ظل توجيه لائحة اتهام له، سيكونون شركاء في وضع معيار مرفوض وخطر، وسيخسرون حقهم في الوجود كبديل من السلطة. لذلك، فاحتمال موافقتهم على الدخول في حكومة وحدة كهذه وبقائهم فيها عندما يجري توجيه لوائح اتهام- ضئيلة جداً.
المفارقة أن الشخص الذي يمنع قيام حكومة يمين ضيقة، أفيغدور ليبرمان، ليس شريكاً في هذا النضال تحديداً. لقد قال أكثر من مرة إن رئيس الحكومة يستطيع البقاء في منصبه حتى صدور الحكم النهائي في قضيته. ربما هو ينسق مع زعماء أزرق أبيض في عدة موضوعات، لكن موقفه من المسألة القانونية مناقض للمعيار المرغوب. بقينا مع المـأزق القانوني- ومعه لا يمكن قيام حكومة وحدة.

المصدر: صحيفة هآرتس الاسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

مقالات ذات صلة