كيف تخلق رشاوى الحواجز مليونيرات بسوريا

نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرا أعدته رجا عبد الرحمن، تحت عنوان “كلهم لصوص: المرور عبر نقاط التفتيش السورية”.

وتقول الكاتبة: “في يوم دافئ من تشرين الأول/ أكتوبر انطلقت منى المخلف، حاملة مقتنيات حياتها الخاصة، إلى مدينة الرقة للعيش مع ولديها، وبعد عدد من نقاط التفتيش على الطريق لم يعد لديها المال، ولهذا علقت في الطريق”.

وينقل التقرير عن المخلف، قولها: “أنا عالقة هنا حتى يشفق علي أحد”، وأضافت المرأة البالغة من العمر 55 عاما، وكانت على صخرة محاطة بالأواني والمقالي والمراتب: “كلهم لصوص”.

وتشير الصحيفة إلى أن الحرب الأهلية، التي استمرت على مدى 8 أعوام تقريبا، أفرغت اقتصاد سوريا، فارتفعت معدلات التضخم، وانهار النمو، وتحولت المصانع ومناطق الصناعة إلى أنقاض، لافتة إلى أنه بحسب إحصائيات البنك الدولي، فإن ثلاثة أرباع القوة العاملة السورية إما عاطلة أو غير نشطة.

وتستدرك عبد الرحمن بأن الشيء الناشط والوحيد هو نقاط التفتيش التي تتوالد، ويتم من خلالها ابتزاز المارين عليها، مشيرة إلى أن هذه التجارة أصبحت علامة دائمة في اقتصاد الحرب السورية، فيقوم الجنود الموالون للنظام والمليشيات والجماعات المعارضة للنظام بتبرير حالة عدم الأمن وإقامة نقاط تفتيش تنتشر عليها عمليات الرشوة والخطف.

ويفيد التقرير بأن أهم النقاط التي تولد الربح والثروة هي تلك التي تقوم باستغلال الحاجة الإنسانية في ظل المعركة أو الحصار، وعادة ما يشار إلى أصحابها بمليونيرات الحواجز.

وتنقل الصحيفة عن مدير مؤسسة “سينابس” في بيروت، التي ترصد الآثار الاجتماعية والاقتصادية للنزاع السوري، أليكس سيمون، قوله: “أصبحت هذه الظاهرة مستشرية إلى درجة أنها تحولت إلى صناعة بحد ذاتها”، فيما يصف تقرير للمؤسسة اقتصاد البلاد بأنه اقتصاد “أكلة لحوم البشر، حيث أصبحت قطاعات من المجتمع السوري تعتمد في نجاتها وبشكل متزايد على القطاعات الأخرى” الفقيرة.

وتبين الكاتبة أن السوريين الذين يعبرون من خلال الحدود الداخلية التي تحددها الأطراف، يضطرون للتخلي عن أموالهم، وبشكل يومي، رغم أن وتيرة النزاع بدأت بالتراجع، لافتة إلى أن الممارسات الافتراسية أدت إلى زيادة أسعار البضائع في أنحاء البلاد كلها، خاصة أن الحاجز ذاته الذي يبتز الرشاوى من المارة يفرض تعرفات جمركية على البضائع التي تعبره.

ويكشف التقرير عن أن الرشوة تظهر في أسعار أجرة الحافلات والسيارات، فقد عانى الركاب منها، حيث يقوم السائقون بدفع المبلغ المقرر إما نقدا، أو من خلال صناديق سجائر.

وتنوه الصحيفة إلى أن الحرب أثرت على عمل الاقتصاد، وخفضت الاستعداد للعمل، ويقدر البنك الدولي أن سوريا خسرت في الفترة ما بين 2011- 2016، ما قيمته 226 مليار دولار من قدراتها الإنتاجية، مشيرا إلى أن تعافي الاقتصاد قد يحتاج لعقود.

وتذكر عبد الرحمن أن الحكومة السورية أقرت في تموز/ يوليو عددا من الإجراءات للحد من الفساد الفردي والحكومي، شددت فيها على أنه لا يوجد شخص فوق القانون، ولا تسامح في التعامل مع المشكلة، خاصة أن البلاد قد تشهد عملية إعمار، وذلك بحسب الإعلام الحكومي.

وبحسب التقرير، فإن السكان الهاربين من شمال محافظة حلب بداية هذا العام واجهوا مطالب بآلاف الدولارات من المهربين، فيقول عبد الرحمن أحمد إنه دفع مليون ليرة سورية، أي ما يقارب ألفي دولار له ولزوجته، ويضيف أن المهرب دفع رشاوى إلى الجنود السوريين.

وتقول الصحيفة إنه على خلاف مليونيرات الحواجز، فإن جماعات المعارضة استطاعت دفع رواتب المقاتلين، وشراء الطعام، واستيراد السلاح، وقال زعيم جماعة مقاتلة إن جماعته استعاضت بالحواجز عن الدعم الخارجي المتوقف لها.

وتجد الكاتبة أن المعابر لا تعد طريقة للحصول على الرشاوى، بل هي طريقة للتحكم في الناس، ففي آب/ أغسطس اتهمت منظمة “هيومان رايتس ووتش” السلطات الكردية في شمال شرق سوريا بتقييد حركة المواطنين الذين يعيشون في مخيمات النازحين، من خلال مصادرة الهويات الشخصية، ومنعهم من مغادرة المخيمات، وفي بعضها يضطر المقيمون لدفع أموال إلى المهربين والمسؤولين عنها للخروج منها؛ بحثا عن العلاج أو لمقابلة أفراد من عائلاتهم.

ويورد التقرير نقلا عن مدير برنامج الشرق الأوسط في منظمة “هيومان رايتس ووتش” لاما فقيه، قوله: “لسوء الحظ شاهدنا محاولة بعض الناس الاستفادة من معاناة السكان السوريين.. لا توجد هناك أي حدود للاستثمار”، فيما دافع مسؤول ورد اسمه في التقرير عن السياسة التي بررها لتسهيل دخول المقيمين وخروجهم في المخيمات، من خلال أخذ هوياتهم، لكنه أنكر أن تكون هناك رشاوى.

وتقول الصحيفة إن الاختطاف منتشر على الحواجز، مشيرة إلى أن عمليات الخطف كانت في الماضي تستهدف الأثرياء في البلاد، لكنها اليوم تستهدف عمال الإغاثة والخدمات الطبية، ففي تشرين الأول/ أكتوبر اختطف مسؤول جمعية خيرية عند حاجز تفتيش، بحسب المشرف الأمني عن الجمعية، الذي رفض التعريف باسمه أو باسم الجمعية.

وتنقل عبد الرحمن عن المسؤول الأمني، قوله إن الخاطفين سألوا المسؤول الذي غطي وجهه عن المبلغ الواجب طلبه فدية، لافتة إلى أن صهر عبد الرحمن أحمد، الذي يعمل في وكالة الأنباء الحكومية، اختطف في أيلول/ سبتمبر من جماعة معارضة للحكومة، بعدما أخرج من حافلة عند الحاجز، وطلبوا 5 آلاف دولار للإفراج عنه.

وتورد الصحيفة نقلا عن أحمد، قوله: “لو دفعت فإنهم سيفرجون عنه، وإن لم أدفع فسيظل محتجزا.. من أين آتي بخمسة آلاف دولار؟”.

وتختم “وول ستريت جورنال” تقريرها بالإشارة إلى أنه بحلول تشرين الثاني/ نوفمبر، لم يفرج عنه، بل رفعت الفدية إلى 6 آلاف دولار، وقال أحمد: “السمكة الكبيرة تأكل الصغيرة”.

مقالات ذات صلة