تحالفات جديدة تعيد شبح الحرب الباردة
د. سعيد الشهابي

قعقعة السلاح التي يسمعها ذوو الحواس الحاذقة التي تقرأ ما وراء السطور ليست خرافة أو أسطورة، بل حقيقة تقلق من يهمهم أمن العالم واستقراره. ومع تفاقم النسخة الجديدة من «الحرب الباردة» بين الشرق والغرب، لم يعد الحديث عن حرب عالمية ثالثة ضربا من الخيال أو تشبثا بموروثات تتصل بنظرية المؤامرة وثقافة التخويف والتوتر. إيران ليست هي سبب حرب كونية محتملة ولا الصراع العربيالإسرائيلي ولا التدخل الروسي في سوريا ولا صعود ترامب أو هبوطه. فكل ذلك قد يكون عوامل مساعدة على تعميق التوتر والتأسيس للحرب الباردة، ولكن ربما العنصر الأهم في تصاعد احتمالات المواجهة حالة التقارب غير المسبوقة بين روسيا والصين التي تضاف إلى صعود نجم الصين الاقتصادي ومعها الاقتصادات الناشئة في آسيا خصوصا الهند. لقد مضت ثلاثون عاما على غلق ملف الحرب الباردة الأولى التي شهد العالم خلالها حروبا مباشرة أو بالوكالة، وكان من أهم دوافعها حالة التخندق الايديولوجي الناجم عن انتشار الشيوعية والاشتراكية وردة فعل العالم الرأسمالي الذي رأى في ذلك تهديدا لنفوذه الدولي. وخلال هذه الفترة دأبت القوى الأساسية في الصراع الدولي التقليدي على تخفيف حدة الصراع بعد تلاشي الاتحاد السوفييتي وتوسع المشروع الرأسمالي ومعه حلف شمال الأطلسي (ناتو) حتى وصل إلى حدود روسيا. لم تخف موسكو امتعاضها إزاء نشوء عالم آحادي القطبية. ولكن في الوقت نفسه عمد الطرفان لتقليص مساحات الاحتكاك واتفقا في عهد اوباما على خفض ما لديهما من رؤوس نووية. وربما لو بقي التوازن الاستراتيجي محصورا بروسيا وأمريكا لاستمرت حالة التوازن القلق. ولكن دخول الصين على خط السياسة الدولية بتوسع اقتصادها السريع أدخل عاملا جديدا في السياسة الدولية. في بداية الأمر لم تكن العلاقات بين الصين وروسيا بمستوى يقلق الولايات المتحدة، ولكن التقارب بينهما في الأعوام الأخيرة عمق القلق الأمريكي خصوصا مع توسع الاقتصاد الصيني وتأثير ذلك على الاقتصاد الأمريكي.
إن المصادمات المحدودة التي حدثت في بحر الصين الجنوبي قبل عامين وتوسيع الصين قواعدها في تلك المنطقة أحد أسباب التوتر والقلق لدى واشنطن. فالصين أدركت أن أمنها القومي لن يتحقق ما دامت أمريكا مطلقة اليد في جنوب شرق آسيا. وبرغم أهمية ظاهرة الربيع العربي التي نشبت قبل ثمانية أعوام، فقد تجاوزتها السياسة الأمريكية بعد أن اقتنعت واشنطن بالسيطرة على أوضاع الشرق الأوسط وعينت وكلاء عنها للتعاطي مع هذه الظواهر (المزعجة ولكن غير المقلقة كثيرا) ممثلا في تحالف قوى الثورة المضادة بزعامة السعودية والإمارات ومصر و»إسرائيل». منذ ذلك الوقت عمدت أمريكا لنقل ثقلها العسكري إلى جنوب شرق آسيا وبحر الصين الجنوبي، وبدت أقل اهتماما بمنطقة الخليج والبحر المتوسط. ويمكن فهم دوافع دونالد ترامب لسحب القوات الأمريكية من سوريا ودعوة التحالف السعوديالإماراتي للقيام بدور في سوريا والتصدي لتنظيم «الدولة» وبقية التنظيمات الإرهابية ضمن سياسة التفرغ لمواجهة التحالف الصيني – الروسي. فالتفكير الاستراتيجي الأمريكي في السنوات الخمس الماضية تغير بشكل كبير وأصبح لديه قلق من التحالف المحتمل بين روسيا والصين. وتسعى الولايات المتحدة لاحتواء الهند لمنعها من اللحاق بذلك التحالف الاستراتيجي الناشئ. كما تخشى أمريكا من ازعاج تركيا إلى المستوى الذي يضطرها للانحياز لذلك المحور خصوصا بعد توتر علاقاتها مع السعودية وأمريكا التي تتهمهما بدعم المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد اردوغان في 2017. وفي 2014 أكد وزير الخارجية البريطاني في كلمة ألقاها في البحرين أمام مؤتمر «حوار المنامة» بقوله: «حيث أن الولايات المتحدة أصبحت تبذل أغلب جهدها في منطقة المحيط الهاديء وآسيا فاننا مع حلفائنا الاوروبيين سنتحمل عبئا أكبر في الخليج والشرق الأدنى وشمال افريقيا». ذلك التحول في التوجه العسكري الأمريكي الذي مضى عليه خمس سنوات تقريبا يؤكد العودة إلى أجواء الصراع بين الشرق والغرب بعد غياب دام ربع قرن.
يوم الخميس الماضي (7 يناير/كانون الثاني) اعتبر المعهد السويدي للدراسات الدفاعية (FOI) في دراسة جديدة أنه: «إذا كانت روسيا تولي اهتماما أكبر لتطوير مهارات حل النزاعات المحلية الصغيرة، فإن التدريبات العسكرية الاستراتيجية المنتظمة للجيش الروسي أصبحت الآن أكثر طموحا، كما لو أن حربا شاملة قد تندلع غدا». واستشهد المحللون السويديون على سبيل المثال بتدريبات «الغرب – 2017» في المنطقة العسكرية الروسية الغربية، التي شارك فيها أكثر من خمسة آلاف عسكري روسي، بالإضافة إلى تدريبات «الشرق – 2018»، حيث شارك فيها حوالي 300 ألف عسكري. وقال رئيس معدّي الدراسة، يوهان نوربرغ: «تستعد روسيا لشن حرب إقليمية وربما حروب مفتوحة تمتد في الوقت المناسب ضد خصوم محتملين كبار من وزن حلف شمال الأطلسي والدول العظمى فيه».

هذه الخطوة الروسية توازيها إجراءات أمريكية تثير القلق وتقرب الأطراف المعنية من خطر المواجهة. ففي الأول من هذا الشهر أعلن الرئيس الأمريكي تعليق التزامات بلاده في معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى المبرمة مع موسكو عام 1987 أثناء الحرب الباردة، وبدء انسحابها منها بحجة انتهاك موسكو للمعاهدة. وعلى الفور أعلن حلف شمال الأطلسي «الناتو» أن «الولايات المتحدة تقوم بهذه الخطوة رداً على أخطار كبيرة على الأمن الأوروبي الأطلسي يشكلها قيام روسيا باختبارات سرية وبإنتاج منظومة إطلاق الصواريخ العابرة 9 إم 729 ونشرها». وأضاف أن «الحلفاء يدعمون هذا العمل دعماً كاملاً». وقبل أربعة أيام انتقد المدير التنفيذي لجمعية مراقبة التسلح في واشنطن (دريل كيمبال) الخروج الأمريكي من معاهدة الحد من الصواريخ النووية المتوسطة المدى مع روسيا محذرا من الاصطدام النووي الذي قد يتعرض له العالم. وتنص هذه المعاهدة على نزع الصواريخ النووية المتوسطة المدى لخطورتها على الأمن العالمي. وكان قادة الولايات المتحدة وروسيا قد اتفقوا في أيام الحرب الباردة علي نزع هذه الصواريخ انطلاقا من معرفتهم بمدى خطورتها. واعتبر كيمبال الخروج من معاهدة نزع الصواريخ النووية متوسطة المدى «تحديا عالميا لأن ذلك يؤدي إلى قيام أمريكا وروسيا بإنتاج هذه الأسلحة وهذا سيؤثر على أوروبا و آسيا.» وبموازاة ذلك ثمة سباق تسلح خطير بين أمريكا والصين بدأ منذ زمن فيما الصين تسير ببطء في تطوير قدراتها النووية وقامت بتوسيع قواعدها العسكرية في مختلف دول العالم. وهذا ما دفع أمريكا إلى الدخول في السباق مع الصين لمواجهتها. وقامت أمريكا بنشر صواريخها المتوسطة المدى أو صواريخ كروز أرض – أرض في آسيا لمواجهة الصين التي هددت بأنها ستقوم بتطوير صواريخها البالستية مما يؤدي إلى دخول الجانبين في سباق تسلح خطير.
في الشهر الماضي تعمق القلق لدى الخبراء العسكريين بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي الفضاء «مسرحا جديدا للحرب» عندما أطلق برنامج تطوير نظام مضاد للصواريخ باسم «القوة الفضائية»، قائلا إنه يريد تطوير أجهزة استشعار في الفضاء يمكنها رصد إطلاق الصواريخ. هذا المشروع يشبه برنامج رونالد ريغان الطموح والمكلف في أوج الحرب الباردة. وقد أطلق عليه الساخرون اسم «حرب النجوم». وذكر ترامب في استراتيجيته أنه يريد أن يرصد أي صاروخ يطلق على الولايات المتحدة، وتدميره في أي وقت وفي أي مكان من العالم. وينظر ترامب إلى أربع دول يعتبرها تهديدا للولايات المتحدة، وهي كوريا الشمالية وإيران وروسيا والصين.
وتزداد الأجواء توترا يوما بعد آخر خصوصا مع تخندق الفرقاء في مواقعهم وإصرارهم في ما يبدو، على العودة لنسخة جديدة من الحرب الباردة. ففي الأيام القليلة الأخيرة أجرت ثلاث دول اختبارات لصواريخها النووية بوتيرة أقلقت الكثيرين. فقد أطلقت فرنسا صاروخ (جوأرض) نوويا متوسط المدى. وتبعتها الولايات المتحدة باطلاق صاروخ نووي باليستي عابر للقارات. ثم أطلقت روسيا هي الأخرى صاروخا نوويا عابرا للقارات.
سباق محموم على التسلح النووي وتطوير أدوات النقل الصاروخية، وعودة سريعة لاجواء الحرب الباردة، واعادة رسم خريطة التحالفات الاستراتيجية بما يثير القلق. هذه المرة سيكون السباق النووي مرعبا لأن الغرب يعيش ظاهرة صعود اليمين وسياسات التطرف والعداء تجاه الآخر، خصوصا مع صعود الأحزاب اليمينية في أغلب البلدان وسيطرة الرئيس ترامب على مقاليد الأمور في الولايات المتحدة. عودة القلق لا تنفك عن شعور الغربيين بقيادة أمريكا بأنهم حققوا انتصارا كبيرا على مشروع الإسلام السياسي بضربهم ثورات الربيع العربي ومنع تحول الشرق الأوسط إلى منطقة مستقلة سياسيا ومتكاملة اقتصاديا.
وتشعر أمريكا كذلك بأنها استطاعت تحجيم مجموعات التطرف والإرهاب وطروحات حكم الشريعة، كما أن إيران لم تعد مصدر تهديد لأمريكا ومصالحها في المنطقة لأنها تتصرف بقدر من العقل والحكمة ولا تسعى لاستثارة الغرب بتصرفاتها ولذلك أعلنت أنها لا تنوي زيادة مدى صواريخها. لذلك تفرغ ترامب لمواجهة التحدي الاقتصادي العالمي الذي تتصدره الصين ويضغط على الاقتصادات الغربية بقدر كبير. فالحروب إنما هي لتأمين المصالح، ولم تعد إيران وسواها مصدر تهديد لتلك المصالح، بل أصبحت الصين هدفا للاستراتيجيات الغربية الجديدة، خصوصا إذا تحالفت مع روسيا بشكل جاد.

مقالات ذات صلة