لسنا متفرجين.. التعامل مع الانتخابات الإسرائيلية
د. طارق فهمي

سلَّم البعض من المحللين والكتاب في الشأن الإسرائيلي بأن الانتخابات الإسرائيلية محسومة لصالح تيار اليمين الإسرائيلي المتطرف، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل لن يكون سوى نتنياهو، وفي أسوأ الخيارات سيكون واحدا من الجنرالات الإسرائيليين الذين خرجوا من هيئة الأركان أو وزارة الدفاع، وبالتالي فإن المشكلة هي كيف سيكون التعامل العربي والرد الفلسطيني على وجه الخصوص تجاه هذا الأمر؟، ليس هناك تغيير يلوح في الأفق كما تصور البعض في ظل معطيات راسخة تحكم مسار الوضع الراهن في إسرائيل، ولا يوجد يسار أو يمين وسط متزن أو فرص حقيقية للأحزاب السياسية العربية التي انقسمت بصورة واضحة لتصبح تحالف الجبهة الديمقراطية العربية للتغيير، وتحالف العربية الموحدة – التجمع الوطني.

ندعو مجددا الباحثين العرب الماهرين في اللغة العبرية ويتقنون أساليب تقنية ومعلوماتية كبيرة بنقل الصورة الحقيقية للمواطن الإسرائيلي وكشف زيف ما تروج له الأحزاب الإسرائيلية قاطبة، مع العمل على تغيير بعض ملامح الواقع الراهن لما يجري في إسرائيل

وهنا يجب الإشارة إلى عدة ملاحظات هامة.

أولها: أنه ليس صحيحا أن الأمر قد حسم لصالح الليكود كتجمع وحزب سياسي حاكم في إسرائيل في ظل صعود واضح لأحزاب اليمين الأخرى التي تبحث عن دور حقيقي يمكن الانطلاق منه، وفي ظل الرهان على استمرار رئيس الوزراء الراهن في الحكم حال إدانته (تم تأجيل التحقيقيات لما بعد إجراء الانتخابات)، أو رفض الأحزاب اليمينية الأخرى، أو تحالف العسكريين أزرق أبيض في تحقيق تقدم حقيقي في المنافسة بل وإمكانية تكليف جنرال غالبا سيكون بيني جانتز بتشكيل الحكومة، وبالتالي فإن إعداد سيناريو حقيقي سيرتبط بخيارات دقيقة، ومهارة في ظل نظام معقد يتسم بسمات خاصة لتتشكل الخريطة الانتخابية من أحزاب اليسار، ويسار الوسط إلى أقصى اليمين.

في هذا السياق، من الواضح أنه لم يعد الانقسام والاصطفاف الحزبي داخل إسرائيل منذ سنوات كما كان في السابق بين معسكريْن تقليدييْن لهما هويات وأيديولوجيات متجذرة ومتصارعة، والتي درج على تسميتها باليمين واليسار، فكل الأحزاب الإسرائيلية تنتمي اليوم لذات المعسكر (معسكر اليمين)، والصراع هو بين يمين متطرف ويتماثل مع الصهيونية الدينية، ويمين علماني يسعى إلى ضمان بقاء إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية وذات أكثرية يهودية تلتزم بالقيم الليبرالية، وفي ظل وجود تأثير كبير لشخصية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتحوله إلى ما يشبه الظاهرة، حيث يأست المعارضة من الانتصار عليه إلا بإدانته.

ثانياً: إزاء التسليم بأن الوضع السياسي الإسرائيلي سيستمر على حاله، فإن هناك سيناريو مطروحا، وهو اعتماد استراتيجية الصاعدين الجدد مثل جانتز، لبيد، يعالون وأشكنازي على الحصول على كتلة مانعة من 61 عضو كنيست مع العرب، للوقوف دون تشكيل نتنياهو للحكومة، ومن ثم التوجه لليكود لتأليف “حكومة وحدة وطنية”، وقد كان تصريح لبيد الذي أدلى به مؤخرا واضحا حيث قال، “نحن بعد الانتخابات سنتوجه لليكود لتشكيل الحكومة”، في إشارة إلى أنّ توجههم لليمين وليس لليسار، وفي المقابل لن يعتمد جانتس ولبيد على الأحزاب العربية عموماً، وسيتوجهان نحو اليمين، أي باتجاه الليكود ليس فقط لأنه أقرب إليهما سياسيا من العرب، بل لأن استراتيجيتهما السياسية تقتضي ذلك برغم كل ما يتردد في الوقت الراهن.

في ظل هذا السيناريو، لن يستطيع رئيس الوزراء نتنياهو الوصول للأغلبية، وذلك لأن تحالف “أزرق – أبيض”، “العمل”، “ميرتس” والأحزاب العربية في جميع الأحوال قد لا تنضم إليه، وفي الجانب الآخر، لا يستطيع جانتز أيضا تشكيل حكومة، لأن عليه نقل 13 مقعدا على الأقل من كتلة اليمين، وفي المقابل، قد يعمل رئيس الوزراء نتنياهو على ضم حزب العمل برئاسة آفي غباي في حال حصوله على مقاعد قد تصل إلى 7 مقاعد.

ثالثا: في ظل هذه المعطيات الانتخابية إذاً ماذا نحن فاعلون كعرب في مواجهة ما يجري في إسرائيل؟، إن الإجابة تتطلب تدخلنا، وعدم وقوفنا كالمتفرجين لنتابع النتائج في هدوء ونسلم بما يجري.

والحقيقة أن هناك بدائل عربية مطروحة منها إمكانية التدخل ومحاولة التأثير في مسارات واتجاهات الحملات الانتخابية الحالية، خاصة وأن الشباب العربي والفلسطيني على وجه الخصوص لديه إمكانيات خلاقة ومبدعة وبعضهم يتقن العبرية، وبإمكانه التدخل الحقيقي في كشف ملابسات ما يجري من قبل التيارات السياسية وخاصة المتطرفة بل ونقل ما يبثونه للرأي العام الإسرائيلي الذي يتابع ما يجري، وهو غير ملم بكل التفاصيل الخاصة ببرامج الأحزاب والقوى الجديدة، خاصة وأن إسرائيل باتت تعرف ظاهرة تتمثل في وجود كتل صلبة وأصوات عائمة ومترددة، حيث لم يعد المجتمع الإسرائيلي يمينا أو يسارا فقط بل تحول إلى نسخ مكررة وشخصيات صاعدة غير معروفة إلا من منطلق تاريخها العسكري، وليس لها خبرات متراكمة في مجال السياسة، ولهذا فإذا نجحنا في الدخول كباحثين وخبراء على صفحات مواقع الأحزاب والقوى السياسية الإسرائيلية من خلال جهد فردي وجماعي، وكشفنا زيف ما تقوم به القوى السياسية للمواطن الإسرائيلي، ونقل بعض الصور التي ربما لا يلم بها، سنكون قد نجحنا في القيام بدور.

ومن هنا، فإن مهمتنا الراهنة تقتصر على استثمار اللحظة التي لن تتكرر في ضرورة اتخاذ دور استباقي ومباشر في هذا الأمر، وعدم انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية، والدخول في متاهة تشكيل الحكومة القادمة، مع التأكيد على أنه إذا استمر رئيس الوزراء الإسرائيلي الراهن فإن برنامجه سيؤدي لمزيد من التدهور تجاه التعامل مع الملف الفلسطيني، كما سيستمر مخطط الاستيطان، وتنفيذ قانون القومية وتصفية ملف اللاجئين والتسريع بتنفيذ خطة التهويد في القدس، وسيعمل على تنفيذ مخطط التطبيع مع الدول العربية وسيتجه لإعادة طرح فكرة السلام الاقتصادي والتعاون الإقليمي وسيساعده على ذلك إصدار صفقة القرن، وفي كل الأحوال سيبقي على خيار التصعيد، وهذا خيار سيكون حاضراً وبقوة.

صحيح أن نتنياهو ليس هو المتحكم الوحيد إسرائيليا بقرار التصعيد، وأن ثمة أجهزة أمنية واستخباراتية؛ لكنه يستطيع أن يدفع إسرائيل بهذا الاتجاه، ومن غير المستبعد أن يفضل نتنياهو التصعيد على جبهة الضفة بل وفي غزة إذا فشل خيار التهدئة، نظرا لأن التصعيد هناك ليس له ثمن.

وفي المقابل، إذا جاء تحالف العسكريين الأبيض والأزرق فسيعلي من قضايا الأمن، ويوحد العناصر المتناقضة في المجتمع الإسرائيلي، وسيعمل على استمرار سياسة التصعيد في قطاع غزة، ورفض إجراء أي مفاوضات مع السلطة الفلسطينية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتأكيد على المصلحة الإسرائيلية في إقرار “يهودية وديمقراطية”، وتعزيز “الكتل الاستيطانية”، والاحتفاظ بغور الأردن كحدود شرقية، والتشديد على الأمن، وبقاء السيادة في هضبة الجولان، وبقاء القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل.

ومن هنا أكرر مرة أخرى، أننا يجب أن نتحرك ونقوم بدور جديد خاصة مع توقع إسرائيل بأن هناك أطرافا أخرى سوف تتدخل بصورة سلبية لتوجيه مسار الحملات الانتخابية بصورة غير مشروعة، وهو ما دفع قادة أجهزة المعلومات من التحذير، مما سيجري من محاولة التشويش على النتائج، واختراق المواقع وغيرها من الأساليب غير المشروعة، وعلى غرار ما جرى في التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية الأخيرة والتي أوصلت الرئيس ترامب للحكم.

تخشى إسرائيل من تأثيرات خارجية على معركتها الانتخابية الراهنة، وتتخذ إجراءات استباقية، وما جرى مؤخرا في الانتخابات البلدية يؤكد هذه الهواجس، ومن ثم فعلينا ندعو مجدد الباحثين العرب الماهرين في اللغة العبرية ويتقنون أساليب تقنية ومعلوماتية كبيرة بنقل الصورة الحقيقية للمواطن الإسرائيلي وكشف زيف ما تروج له الأحزاب الإسرائيلية قاطبة، مع العمل على تغيير بعض ملامح الواقع الراهن لما يجري في إسرائيل.

مقالات ذات صلة