ما ضاع حق وراءه مقاوم
جمال الجمل

(1)
العالم لم يعد مكاناً آمناً للهاربين، فليس هناك فرصة ولا مكان للاختباء.. سقط سقف الأرض وتهدمت الكهوف والمغارات، وسطعت شمس المراقبة لتزيح كل مناطق الظل الآمن وغصون الراحة من لهاث المطاردات..

هكذا قلت لنفسي (متاسياً ومواسياً) بعد تصفية المُطَارَد الفلسطيني عمر أبو ليلى منفذ عملية سلفيت.

عقب ارتقاء الشهيد المقاوم تحدث كثيرون عن “خيانة” أدت لمعرفة مكانه، لكن حديث الخيانة يكشف عن ثغرات قاتلة في رؤيتنا لذاتنا العربية المثقوبة بالوشايات والعمالة، حيث نتوقع دائما (ومن أول وهلة) وجود خونة في صفوفنا، ونذهب للحديث السهل عن تعاون مع العدو (المتفوق، صاحب اليد الطولى)، ربما يكون ذلك العار متماشياً بتجانس وانسجام مع تاريخ العرب في مراحل السقوط. فقد ارتبطت هزائمنا المتعددة (في تاريخنا الوسيط والحديث) بخيانات من الداخل، تقلد فيها الخونة أحيانا مناصب القيادة بدعم من الأعداء، فلم يكن أولهم ولا آخرهم “خاير بك”، الذي أطلق عليه المصريون “خائن بك”، بعد أن أصبح أول حاكم لمصر يعينه المحتل كـ”مكافأة خيانة”.

(2)
شغلتني فكرة الهروب؛ لأنها لم تنفع مع طومان باي الذي سلمه صديقه شيخ الأعراب، مقابل مكافأة من المانح الجديد، وشغلتني فكرة ضيق الأرض التي لم تعد تتسع للهاربين، ووجدت أن هذا الفكرة (ضيق الأرض) لم تبدأ اليوم بعد تطور وسائل التنصت وأساليب التجسس والمراقبة بالأقمار الصناعية، لكنها بدأت منذ عقود طويلة، حتى إن الكاتب الفرنسي الشهير بول فاليري كتب في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي مقالا بديعاً عن “محدودية العالم”، قال فيه كلاما يشبه ما قلته الآن في مفتتح المقال، ويستبق الوصف الحديث للعالم بأنه أصبح “قرية صغيرة”. فقد قال إن العلم لم يترك بقعة على الأرض إلا وأشبعها بحثاً وتنقيباً ودراسة، بحيث لم يعد هناك شيء خفي يمكن تقديمه للناس كجديد ومثير.

(3)
ضيق العالم، وأساليبب التتبع والرقابة الدائمة، ليست شراً مطلقاً، لكنها مثل كل الاختراعات؛ تبقى فائدتها بحسب استخدامها، وبحسب طريقة وقواعد توظيفها. فمن غير هذه الوسائل لم نكن لنعرف شيئا عن جريمة قتل وتقطيع الصحفي السعودي جمال خاشقجي، ولم نكن نتعرف بهذه السرعة وهذا القدر من التأثير على جريمة القاتل النيوزيلندي، وكذلك على مخالفات المنحرفين اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، وعلى نتائج مباريات الكرة، وعلى كل تفاصيل الحياة فوق الأرض وتحت الأرض.. الخ.

هذه الشواهد تثبت أن العالم أصبح صغيراً حقاً، وأصبح مكشوفاً إلى حد لا يمكن لأحد الاختباء فيه بعيدا عن “الأخ الكبير”.. فهل يعني هذا أن نستسلم ونقبع وندخل الحظائر كفرائس مستسلمة لصيادها الذي لا يُقَاوَم؟

لا أظن أن إنسانا حراً يقبل بهذا الاستسلام المذل، كما أن الحياة لن تسمح بذلك، لأن القبول بانتصار نهائي لطرف في صراع ما يعني انتهاء اللعبة.. يعني انتهاء الدراما.. يعني انتهاء الاستمرارية.. يعني انتهاء الحياة نفسها.

ومع ذلك يظل السؤال جائعاً لإجابة: ماذا نفعل تحت هجير هذا الاختلال؟

ماذا نفعل لكي يستمر الصراع بلا هروب ولا انتحار ولا انتصار محتوم للصياد على الفريسة؟

(4)
الاستنتاج الوعظي للمشهد المختل يفرض على الهاربين أن يتوقفوا عن الهرب، فالمرحلة لم تعد صالحة لدراما الدكتور “ريتشارد كمبل” الذي كنا نتابع مغامرات هروبه في صبانا ونتعاطف مع إصراره على اثبات براءته من القتل، ونشجع مطارته للمجرمين المختبئين تحت الأقنعة الزاهية.

والاستنتاج الانبهاري للمشهد يفرض على العاقلين أن ينتهزوا الفرصة ليقدموا لنا محاضرة قيمة عن قيمة “الشفافية”، وضرورة الاعتراف بها في عالم السماوات المفتوحة والقتل على الهواء مباشرة. فالدولة (غير الإرهابية) تقتحم عاصمة السلطة الفلسطينية (التي تدعوها للسلام) وتقوم بتصفية شاب فلسطيني متهم بالعدوان على من سرقوا أرضه، بينما قاتل الخمسين مسلما في أرض “زيلند الجديدة” يشرب العصير الطبيعي أثناء التحقيقات القانونية، وتعاقبه سلطة بلاده المتحضرة بأن تسقط اسمه وتخاصمه!

لكن ماذا عن إجابة سؤال الفعل المطلوب؟

فإذا توقفنا عن الهرب، واعترفنا بفضيلة الشفافية، ماذا علينا أن نفعل كفرائس لتجنب قنص الصياد لنا؟

(5)
في معالجته السينمائية لرواية “قلب الظلام” لجوزيف كونراد، كان سيدني بولاك موظفا في المخابرات المركزية اكتشف فساد الجهاز، ولما علم رؤساؤه سعوا لتصفيته، وبدأ صراع الهروب، حتى جاءت لحظة تضييق الحصار عليه، حينها سمح بولاك لنفسه بتعديل مسار الرواية ليصنع مصيراً مختلفاً للبطل، فدفعه إلى المواجعة بدلاً من الهروب.

إذن حسب بولاك، وحسب العشرات من دراما الآكشن، وحسب نصيحة اتقاء شر الحليم، ومهما طالت فترة الهروب، لا بد للهارب أن يتخذ موقفا في النهاية، وهذا الموقف لا ينبغي حسابه بالنتيجة، بل ينبغي النظر إليه كبطاقة هوية. وأعتقد أن عمر أبو ليلى لم يحرر القدس، ولم يخلِ المغتصبين من المستوطنات، لكنه في اللحظة الموعودة، توقف عن الهروب، والأهم أنه قال لنا (بشفافية) من يكون، ومن يكون أعداؤه، ومن نكون نحن، ومن يكون حكامنا، كما أعلن أبو ليلى (بفعل لا يخطئه السمع ولا البصر) عن رأيه النهائي في صفقة القرن، وفي مسلك صبية جمع الفتات على موائد التفاوض مع الأعداء.

(6)
هذا المقال (حسب رؤية فاليري) لا يقدم جديداً، لكن قيمته في إعادة التأكيد على قديمنا الثابت، والذي لا نستطيع (برغم كل ما حدث ويحدث وسيحدث) أن نهرب منه: #فلسطين_عربية.

 

مقالات ذات صلة