أسواق “الطعام المستعمل” تنتشر بمصر

السياسي وكالات – تعرف مصر، منذ عقود طويلة أسواق الملابس والسلع المستعملة، لكن ظهور أسواق مخصصة لبيع بقايا الطعام و”الأكل المستعمل” أصبح ظاهرة جديدة بدأت في الانتشار بالبلاد في العامين الأخيرين.

وتنتشر أسواق بقايا الطعام بشكل أكبر في القاهرة الكبرى، التي يعيش فيها أكثر من 20 مليون مصري، ويباع فيها الطعام المرتجع من المصانع والفنادق والمطاعم والمحلات الكبرى، أو ما يطلق عليه اسم “فرز ثان” و”كسر”، وهو اللفظ الذي يطلقه المصريون على السلع التي يوجد بها عيب في الصناعة، من اللحوم المصنعة وشرائح البطاطس والمكرونة والحلويات والمشروبات الغازية والعصائر والأجبان، بالإضافة إلى أحشاء الأبقار وهياكل وأرجل الدواجن.

ويعاني ملايين المصريين من عجزهم عن توفير احتياجات المعيشة الأساسية جراء موجات الغلاء المتلاحقة التي أحدثتها القرارات الاقتصادية القاسية، ومن بينها رفع الدعم عن الوقود، وتعويم الجنيه، وزيادة الضرائب، استجابة لتوصيات صندوق النقد الدولي، بحسب مراقبين.

وكانت الحكومة المصرية أعلنت تحرير سعر صرف الجنيه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، ورفع الدعم تدريجيا عن الوقود والكهرباء، كشرط أساسي للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار جميع السلع والخدمات، وأضعف كثيرا من القدرة الشرائية للمواطنين.

وأكد صندوق النقد الدولي، يوم السبت الماضي، أن مصر سترفع الدعم عن معظم أنواع الوقود بحلول 15 حزيران/ يونيو المقبل كجزء من برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه بين الجانبين، الأمر الذي سيؤدي إلى موجة جديدة من الغلاء.

وفي آذار/ مارس الماضي، ارتفع معدل التضخم السنوي في مصر، للشهر الثاني على التوالي، ملامسا 14%، بسبب ارتفاع أسعار الطعام والمشروبات في أنحاء الجمهورية بنسبة 15.3%، بضغط من قفزة تعرضت لها أسعار الخضروات التي زادت بمعدل 39.4% مقارنة بمستواها قبل عام، وارتفاع أسعار الحبوب والخبز 19.3%، حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

السعر هو الأهم

ويقول أحمد رمضان إن السلع التي يشتريها من أحد هذه الأسواق غير مغلفة، ولا يوجد عليها أي بيانات توضح مكان أو تاريخ صنعها، ويتم بيعها بأقل من نصف ثمنها في الأسواق العادية.

وأوضح أن الباعة يؤكدون أن المصانع والفنادق وقاعات المناسبات تبيع هذه الأطعمة التي تمثل بواقي وفوائض كانت مخزنة لديها بأسعار مخفضة للتخلص منها، ويؤكدون لهم أنها صالحة للاستخدام ولا غبار عليها.

وتابع: لا أحد يسأل عن صلاحية السلع، على الرغم من حالها السيئ، إلا أن ما يهم الناس هو سعرها المنخفض.

وأكد أن هذه الظاهرة خطيرة على المدى البعيد، فمن المؤكد أن من يتناولون هذه الأطعمة التي تباع على الأرصفة، دون أي اشتراطات صحية، سيصابون مستقبلا بالأمراض المنتشرة أصلا بين المصريين بسبب تلوث الغذاء أو سوء التغذية، ومن بينها التهاب الكبد الوبائي وغيره.

حتى الهياكل يرتفع ثمنها

أسماء محمد قالت إنها أصبحت مضطرة لشراء عظام الدواجن، أو ما يطلق عليه المصريون اسم “الهياكل”، بالإضافة إلى رقاب وأرجل الدجاج، لعمل مرقة بها رائحة وطعم الدجاج، بعد أن أصبحت عاجزة عن شراء الدجاج لأسرتها المكونة من خمسة أفراد.

وأضافت أن هذه النوعية من السلع التي يشتريها الفقراء، كهياكل الدواجن وأرجلها، لم تسلم هي الأخرى من الغلاء؛ بسبب زيادة الإقبال عليها، مشيرة إلى أن أسعارها تضاعفت ثلاث مرات خلال العامين الأخيرين.

وتابعت: “هياكل الدواجن تباع الآن بـ15 جنيها، بعد أن كان سعرها قبل عامين 5 جنيهات فقط، لا أعلم ماذا سأفعل إذا أصبحت عاجزة حتى عن شراء أرجل الدواجن وعظامها؟ وإلى متى ستستمر هذه المعاناة؟

دائرة الفقر تتسع

وتعليقا على هذه الظاهرة، يقول الخبير الاقتصادي، أسامة عبد الرحمن، إن الأسواق المخصصة لبيع طعام الفقراء ليست جديدة على مصر، حيث تباع المأكولات الشعبية رخيصة الثمن، لكن الجديد هذه المرة هو وجود أسواق لبيع بقايا الطعام.

وأوضح أن القرارات التي اتخذتها الحكومة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وما تبعها من موجات تضخم غير مسبوقة، جعل دائرة الفقر تتسع في البلاد لتبتلع ملايين المصريين الذين كانوا ينتمون سابقا إلى الطبقة المتوسطة، ووجدوا أنفسهم غير قادرين على الحفاظ على النمط ذاته الذي كانوا يعيشون عليه من قبل.

وأضاف أن هناك حالة من الرضا أو التجاهل الضمني من البائع والمشتري وحتى المسؤولين، عن مدى صلاحية هذه الأطعمة للاستخدام الآدمي، فلا أحد يسأل عن مصدرها، ولم نقرأ يوما عن أي جهود حكومية لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة.

وقال الخبير الاقتصادي إن فكرة الاستفادة من فوائض الطعام وإتاحتها للفقراء تعد فكرة جيدة، لكن يجب أن تتم بشكل سليم، مشيرا إلى أن هذه الأسواق يجب أن تخضع لرقابة الجهات الصحية؛ لمنع تداول السلع الفاسدة التي تهدد صحة المواطنين، مشيرا إلى أن بعض الجمعيات الخيرية بدأت مشروعات لتوصيل بواقي الطعام من الفنادق والمطاعم إلى الفقراء بعد إعادة فرزها وتغليفها جيدا.

مقالات ذات صلة