يد التهويد تمتد لموقع الفريديس الأثري في بيت لحم

بقايا معمارية تعود إلى الفترتين الرومانية والبيزنطية:

السياسي -متابعات

يصاب المارون إلى مدينة الخليل، انطلاقاً من مدينة بيت لحم، بالدهشة عندما يطالعهم موقع أثري غير تقليدي يحمل اسم «الفريديس» الأثري أو «هيروديون» الأثري، الذي يعد أحد أهم المواقع الأثرية والتاريخية في فلسطين، حيث يحمل قيمة ثقافية وإنسانية عالمية استثنائية، لكونه يضم بقايا معمارية تعود إلى الفترتين الرومانية والبيزنطية، تشهد على تعاقب الحضارات التي أسهمت في تشكيل الهوية التاريخية والثقافية لفلسطين.
والموقع، الذي تضاعفت فيه ممارسات التهويد الاحتلالي، عبارة عن جبل أجرد إلا من أعشاب صفراء متيبسة وبعض الإنشاءات الحديثة التي تجعل الشخص المدقق فيه ينقبض قلبه غداة معرفته بعدم إمكانية وصول الفلسطينيين إليه بفعل قيود احتلالية ومخططات استيطانية.
وعند لحظة الوصول إلى بلدة بيت تعمر جنوب بيت لحم، 1500 نسمة، يمكن رؤية القرية محاذية تماماً للجبل الأثري، وستصبح رؤية الجبل أكثر دقة حيث تبرز معالم درج طويل ممتد نُحت على ظهر الجبل، هو أداة الوصول الوحيدة إلى الموقع الأثري المدهش في القلب منه.
ومصدر الدهشة يرتبط بأن الناظر إلى الموقع الأثري، الذي كان قلعة في مكان استراتيجي، لا يرى منه إلا قمته، فيما تتوفر لمن يجلس على تلك القمة المخروطية التي تشبه البركان، إطلالة واسعة على القدس ومنطقة الأغوار والمناطق المحيطة، بفضل ارتفاعه قرابة 758 متراً فوق مستوى سطح البحر.
ويقع «هيروديون» في الضفة الغربية على بعد نحو 12 كيلومتراً جنوب القدس، و5 كيلومترات جنوب شرق بيت لحم، بين قريتي زعترة وجناتا، وبالقرب من مستوطنة «سديه بار» وقاعدة عسكرية إسرائيلية.
وكان الملك هيرودس الكبير قد شيد الموقع في أواخر القرن الأول قبل الميلاد، وتحديداً بين عامي 23 و15 قبل الميلاد تقريباً، ليكون قصراً محصناً ومجمعاً ملكياً متكاملاً، أحاط به خندق وسور دائري ضخم مدعّم بأبراج مراقبة. كما ضم مدينة صغيرة حملت اسم «هيروديا»، إضافة إلى حدائق وبرك سباحة، ويُعتقد أيضاً أن الموقع كان مكان دفن هيرودس.
ويُعد موقع «هيروديون» من أبرز المواقع الأثرية في الضفة الغربية قبل نحو ألفي عام، وكان يُستخدم قصراً حصيناً ومجمعاً ملكياً، كما يُعتقد أنه يضم موقع دفنه، ما يمنحه أهمية تاريخية وثقافية وسياحية بارزة.
وعُرف الموقع عبر التاريخ بعدة أسماء، من بينها «جبل الفرنجة» خلال العهد الصليبي، و»جبل الفردوس» أو «الفريديس» لدى السكان المحليين، في إشارة إلى معاني الجمال أو الجنة. أما اسم «هيروديون» المتداول حالياً فهو ترجمة للاسم اليوناني للموقع.

إجراءات جديدة

وقبل أيام أعلنت ما تسمى الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي بدء إجراءات واسعة النطاق لتهويد الموقع عبر مصادرة نحو 320 دونماً من الأراضي المحيطة بمنطقة جبل الفريديس، التي تضم موقع «هيروديون» الأثري، وجعلها تابعة إلى مجلس مستوطنات «غوش عتصيون»، تمهيداً لتحويلها إلى «أراضٍ مخصصة للحفاظ على الطابع التاريخي والأثري للموقع».
ويأتي هذا التحرك ضمن خطط الاحتلال للاستيلاء على المواقع الأثرية والتراثية في الضفة الغربية وتهويدها، حيث من المتوقع أن يتيح القرار «توسيع أعمال البحث والترميم في الموقع، إلى جانب الكشف عن مزيد من المكتشفات الأثرية التي لم تخضع للدراسة حتى الآن».
وقبل نحو خمسة أعوام، قامت سلطات الاحتلال بفصل منطقة الجبل عن سكان القرية التي تقع على حوافه عبر أسلاك شائكة منعتهم من الاقتراب منه، فيما القرار الأخير يمنع عملية الوصول إلى أراضي المواطنين بشكل كامل.
وتوجد في الموقع حراسة إسرائيلية تنظم دخول الزائرين إليه، إلى جانب معسكر للجيش، لأغراض تتعلق بالسيطرة الاحتلالية على تلك المنطقة ومناطق أخرى، لحماية المستوطنات التي زُرعت في تلك المنطقة، ومنها ما هو ملاصق للقصر مثل مستوطنة تدعى «آل ديفيد».
في السياق ذاته، عدّت «جمعية الآثار الفلسطينية» عملية السيطرة الإسرائيلية على 320 دونماً من جبل الفريديس الأثري انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي واعتداء على التراث الثقافي الفلسطيني والإنساني.
ووصفت الجمعية الإجراء بـ»غير القانوني»، وعدّته «جزءاً من سياسة ممنهجة تستهدف السيطرة على التراث الثقافي الفلسطيني وإعادة توظيفه لخدمة المشروع الاستيطاني الاستعماري في الأرض الفلسطينية المحتلة».
وأكدت أن الإجراءات التي تنفذها سلطات الاحتلال في الموقع لا تستند إلى اعتبارات أثرية أو علمية، وإنما تأتي في إطار توظيف التراث الثقافي لأغراض سياسية وأيديولوجية، الأمر الذي يتعارض مع المواثيق الدولية والمعايير المهنية التي تحكم إدارة وحماية المواقع الأثرية والتراثية.
وحذرت الجمعية من أن استمرار هذه السياسات يهدد سلامة المواقع الأثرية الفلسطينية، ويقوض الجهود الدولية الرامية إلى حماية التراث الثقافي بوصفه إرثاً إنسانياً مشتركاً، كما يشكل سابقة خطيرة في استغلال الآثار والمواقع التاريخية لترسيخ واقع استعماري غير مشروع بموجب القانون الدولي.
ودعت، في بيان صحافي وصل «القدس العربي»، كلاً من منظمة «اليونسكو»، و»المجلس الدولي للمعالم والمواقع» (ICOMOS)، و»المجلس الدولي للمتاحف» (ICOM)، والمقررة الخاصة المعنية بالحقوق الثقافية في الأمم المتحدة، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة للضغط من أجل وقف هذه الانتهاكات، وإرسال بعثات تقصي حقائق متخصصة لرصد الأضرار والتجاوزات التي تتعرض لها المواقع الأثرية الفلسطينية.

سلطة آثار إسرائيلية

وكان الكنيست صادق، قبل أقل من شهر، بالقراءة الأولى على مشروع قانون إقامة سلطة تراث جديدة في الضفة الغربية، تملك صلاحيات مصادرة أملاك وأراضٍ.
كما صادقت حكومة الاحتلال، قبل أيام، على تخصيص عشرات ملايين الشواكل لمشاريع تهويد المواقع الأثرية في الضفة الغربية، ونقل صلاحيات إدارتها إلى وزارات إسرائيلية، على أن تُقتطع هذه الأموال من ميزانيات عدة وزارات، وفق ما أفادت به القناة 12 الإسرائيلية. بدوره عدّ «معهد الأبحاث التطبيقية – القدس» (أريج) أن القانون الجديد يمثل خطوة تعكس تصاعد المساعي الإسرائيلية لإحكام السيطرة على الرواية التاريخية والجغرافيا الثقافية في الضفة الغربية.
وما يخيف الفلسطينيين في مشروع القانون لإنشاء «سلطة تراث يهودا والسامرة» يتمثل في أن المشروع يمنح هيئة إسرائيلية مدنية صلاحيات واسعة لإدارة ملف الآثار والتراث في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في تحول يترجم على أرض الواقع انتقالاً من الإدارة العسكرية المؤقتة إلى تكريس إدارة سيادية مدنية إسرائيلية على المواقع الأثرية في الضفة الغربية.
وحسب «أريج»، فإنه رغم أن نص القانون لا يحدد عدد المواقع المستهدفة بصورة مباشرة، فإن المعطيات الصادرة عن مؤسسات فلسطينية وإسرائيلية ودولية تشير إلى أن نطاق المشروع يشمل فعلياً آلاف المواقع الأثرية والتاريخية الفلسطينية.
وتفيد بيانات «وحدة الآثار» التابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية بوجود أكثر من 2,600 موقع أثري رئيسي معروف في الضفة الغربية، فيما تقدر منظمات متخصصة أن العدد الإجمالي للمواقع الأثرية والنقاط التاريخية والتراثية قد يصل إلى نحو 6,000 موقع موزعة في مختلف أنحاء الضفة الغربية، ما يجعل المشروع أحد أكبر مشاريع إعادة هندسة المشهد الأثري والثقافي في الأراضي المحتلة منذ عام 1967.
وقالت «أريج» في تقرير بحثي مفصل إن المعطيات تدلل على أن سلطات الاحتلال كانت قد صنفت سابقاً نحو 601 موقع أثري وتاريخي باعتبارها «مواقع أثرية إسرائيلية» بموجب أوامر عسكرية مرتبطة بقانون الآثار، بينما تشير تقديرات إلى أن أكثر من 2,400 موقع أثري فلسطيني باتت خاضعة لتصنيفات إسرائيلية مشابهة. وفي آب / أغسطس 2025 أعلنت إسرائيل إدراج 63 موقعاً أثرياً فلسطينياً إضافياً ضمن قائمة «المواقع الأثرية الإسرائيلية»، بينها 59 موقعاً في محافظة نابلس، وثلاثة مواقع في رام الله، وموقع واحد في سلفيت.
ويأتي مشروع القانون في سياق أوسع من السياسات الإسرائيلية الرامية إلى دمج المواقع الأثرية والدينية في البنية الإدارية والاستيطانية الإسرائيلية، خاصة في المناطق المصنفة (ج)، التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، حتى إن منظمات إسرائيلية حقوقية واستيطانية ناقدة، رأت أن المشروع لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إجراء إداري أو تطويري محدود، بل يعبر عن تحول تدريجي في طبيعة الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية، من نموذج يقوم على «إدارة الاحتلال» ذات الطابع العسكري والمؤقت، إلى نموذج أقرب إلى «الإدارة السيادية المدنية» التي تسعى إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية الدائمة على الأرض والسكان والموارد، وخلق وقائع قانونية وإدارية طويلة الأمد يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
ولا يقتصر المشروع على تنظيم أعمال التنقيب أو الحفاظ على المواقع الأثرية، بل يمنح الهيئة الجديدة صلاحيات واسعة قد تستخدم لإعادة توزيع السيطرة على الأرض والموارد والمساحات الحيوية في الضفة الغربية. كما ينص المشروع على إنشاء مجلس خاص للهيئة مكون من تسعة أعضاء، يعينون من قبل وزير التراث الإسرائيلي، ما يعزز الطابع الحكومي والسيادي للمشروع.
وخلصت «أريج» إلى أنه في السياق الفلسطيني-الإسرائيلي، لم تكن الآثار يوماً قضية ثقافية محايدة، بل ارتبطت دائماً بالصراع على الرواية التاريخية والشرعية السياسية والسيادة على المكان. وبالتالي، من خلال التركيز على «التراث اليهودي» في الضفة الغربية، التي يشار إليها في الخطاب الإسرائيلي الرسمي باسم «يهودا والسامرة»، يسعى المشروع إلى تعزيز الرواية التوراتية التي تربط الضفة الغربية بالمشروع القومي والديني الإسرائيلي، مقابل تهميش الرواية الفلسطينية والعربية والإسلامية والمسيحية المرتبطة بالمكان نفسه.
وتختم: «لا يمكن النظر إلى مشروع «سلطة تراث يهودا والسامرة» باعتباره مجرد إجراء تنظيمي لإدارة المواقع الأثرية، بل يمثل حلقة جديدة في مشروع أوسع لإعادة هندسة الجغرافيا والسيادة والهوية في الضفة الغربية، فالمشروع يداخل أدوات السيطرة العسكرية والقانونية والاستيطانية والثقافية ضمن منظومة متكاملة تهدف إلى تكريس واقع سياسي وجغرافي جديد، تتحول فيه الآثار والتراث من أدوات للحفاظ على التاريخ إلى أدوات لإعادة كتابة التاريخ نفسه، وإعادة تعريف من يملك الأرض والرواية والسيادة عليها».

القدس العربي