سُلطويَّة أردوغان.. والانهيار المرتقب
د. محمد المعزوز

لم يتأخر التحالف الحاكم، حزب العدالة والتنمية التركي وحزب أقصى اليمين القومي (الذئاب الرمادية)، عن الطعن السلطوي في نتائج الانتخابات بإسطنبول وأنقرة، ولم يكن هذا الطعن إلا استمراراً لمسلسل الالتفاف على الديمقراطية وإجهاضها منذ أن فقد حزب أردوغان الأغلبية المطلقة في الانتخابات البرلمانية عام 2015، فعمد إلى حل المجلس المنتخب وإجراء انتخابات بديلة، لذلك كان تحالفه مع حزب الحركة القومية منذ ذلك التاريخ تكتيكاً سياسياً، لتقوية ممارساته السلطوية وتأمينها، مقابل التضحية بالهدنة مع الحركة القومية الكردية لصالح (الذئاب الرمادية).

إن خيار أردوغان لنهج السلطوية هو خيار سياسي لا يقوم على توازنات داخلية لتمنيع الدولة من السقوط في الانحياز السلبي، وإنما يقوم على نزعة الحكم الفردي وإقصاء المنافس، لذلك فهو لا يهتم بالبناء السياسي الواقعي للدولة بقدر ما يهتم بالتبشير العقدي الحالم بانبعاث «الخلافة الكبرى»، من ثمة، فهو لا يؤمن بدولة المجتمع وإنما بدولة الحزب، وفق هذا المنحى ينبغي فهم الخيارات السياسية السلطوية لدى أردوغان، وقراءة حدث طعنه في نتائج الانتخابات بأنقرة وإسطنبول.

أما عن الأسباب المباشرة للطعن والتشبث العنيد ببلدية إسطنبول، فهي تلخص فيما وراء الظاهر السياسي باعتبارها لها علاقة بالمصلحة الاقتصادية والنفعوية المقيتة، التي تحرس عليها سلطوية أردوغان، لأن بلدية إسطنبول اقتصادياً مجال للاستثمارات الكبرى في مختلف الميادين الاقتصادية خاصة في العقار والبناء والسلع والخدمات، وهي صفقات تدبر من طرف الحزب الحاكم بدون شفافية ومراقبة دقيقة تنشد الحفاظ على المال العام.

هنا لا بد من التذكير بمقالة صحيفة «نيويورك تايمز» لصاحبتها كارلوتا غال، المستلهمة من تقارير المعارضة التركية التي رصدت – فضلاً عن لعبة المصالح الاقتصادية وتعارضها بين لوبيات الحزب الحاكم – عمليات تسخير المال العام في التحشيد الأيديولوجي على حساب التنمية، ومن بين الأمثلة على ذلك ما حدث في العام الماضي لما منحت بلدية إسطنبول 13 مليون دولار لجمعية الشباب التركي، التي يديرها الابن الأصغر لأردوغان، وتسعة ملايين دولار لجمعية الشابات والتربية، التي تديرها ابنة أردوغان، وسبعة ملايين دولار لجمعية الفريق التكنولوجي التي يسيرها زوج ابنته سمية.

من جهة أخرى ازداد تمسك أردوغان ببلدية إسطنبول حتى يقطع الطريق أمام أكرم إمام أوغلو، وذلك خوفاً من عرض اختلالات التسيير وتبذير المال العام أمام الملأ، وهذا ما يفسر سحب جميع الملفات المحرجة والوثائق المالية غير السليمة من مقر البلدية في لحظة انتهاز فرصة تأجيل تسليم السلط بين المقيمين على التسيير القدامى والفائزين الجدد، بحجة انتظار نتائج إعادة فرز الأصوات.

وإذا كانت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية ترى أن قرار إعادة الانتخابات البلدية في إسطنبول خطراً على سلامة الديمقراطية في تركيا على علاتها، فإنني أرى أن ما حدث أخيراً في تركيا ينذر بانهيار مرتقب للنظام السياسي الأردوغاني.

مقالات ذات صلة