“الديموقراطية” التركية في مهب الانقلاب الأردوغاني
شيرزاد اليزيدي

على رغم إعادة فرز الأصوات الخاصة بانتخابات بلدية إسطنبول، استناداً إلى اعتراضات “حزب العدالة والتنمية” الحاكم، الذي عاد وخسرها مجدداً بعد الفرز، واصل الحزب المذكور رفضه الركون إلى واقع خسارته، ضارباً عرض الحائط بألف باء قواعد اللعبة الديموقراطية القائمة على الالتزام بالنتائج وتقبل الخسارة، وفق المبدأ المحوري الذي يقول بالتداول السلمي للسلطة.

لكن الديموقراطية، كما هو معلوم، هي للاستعمال لمرة واحدة في عُرف الحركات “الإخوانية” والفاشية، وهي مطية يتم الوصول عبرها إلى السُلطة، ومن ثم الانقلاب عليها. ويندرج تماماً في هذا السياق، رفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان النتيجة، وقراره إعادة انتخابات بلدية إسطنبول الشهر المقبل، مع ما يعنيه ذلك من تزوير وقلب لإرادة الناس، ليحتفظ حزبه بالمدينة التي يصعب قبول السلطان خسارتها، مع ما تنطوي عليه من رمزية تاريخية عثمانية، كونها كانت عاصمة أجداده وأسلافه السلاطين، ممن صدع رؤوس شعوب المنطقة بهم وهو يتحدث عن حكمهم لهم من المحيط والبلقان إلى الخليج والقوقاز.

ملامح الانحدار الأردوغاني ترتسم بوضوح. وتلوح بداية نهاية لا ريب فيها، والدلائل والقرائن كثيرة، إذ اكتملت أركان النزعة الاستبدادية المُنفلتة من كل عقال، الرافضة لمجرد التفكير في تسليم السُلطة وخسارتها، والموغلة تالياً في تأميم مختلف أشكال الحياة الديموقراطية السياسية والاقتصادية، وقولبتها وفق مزاج السلطان ومصالحه السُلطوية، وعُقده النرجسية، فما نراه في تركيا الآن، أقرب إلى حكم فرد مطلق وعائلته الصغيرة أبناءه وأصهاره. وتفيد التجارب بأن العاقبة ستكون وخيمة، مهما تبدى للزعيم العُصابي، المهووس بالعظمة والفرادة، أنه باق وخالد، وبأنه هو الدولة والدولة هو. هكذا، يكتمل القطع الهذياني من قبل الزعيم المُتورم، مع كل ما يمت للسياسة والعقل والواقع بصلة. ذلك أن أردوغان، المُتكئ على النجاحات الانتخابية التي ما فتئت تتقلص بعد فورة صعوده الأول، عمد إثر ذلك إلى التحالف مع حزب “الحركة القومية” الفاشي لضمان بقاءه ممسكاً بدفة السُلطة، من خلال تحالف دموي وقمعي زاده توسيع مساحات الاستبداد، والتأميم، والأُحادية، وقضم الحريات، وتجريم التعدد، ومعاداة الكرد كسياسة رسمية، وتصعيد السُعار القومي داخلياً.
ويكفينا هنا إيراد إحصائية صادمة مُفادها أن تركيا تضم نحو ثلث نسبة الصحافيين المحبوسين حول العالم ككل، وهي غدت بذلك أكبر سجن للصحافيين عالمياً، يضاف إلى ذلك تدخلها في شؤون دول أخرى من ليبيا، ومصر، إلى السعودية والإمارات… وتوسيع رقعة الحروب والاحتلالات التركية خارجياً. وحسبنا الإشارة هنا على سبيل المثال لا الحصر، إلى احتلال “مدينة الزيتون” الآمنة (عفرين) تحت شعار “غصن الزيتون” إيغالاً في الدجل والتزييف.

وحتى لو تمكن أردوغان من الفوز في بلدية إسطنبول هذه المرة، تزويراً طبعاً، فسيكون “نصره” بطعم الهزيمة، ذلك أن القاصي والداني يعرف أن قرار إبطال النتائج والإعادة، تم بإيعاز من السُلطة وأجهزتها العميقة، وأن الديموقراطية المُهلهلة أصلاً في تركيا، باتت في مهب الفاشية الأردوغانية التي تعلم تماماً أن خسارتها إسطنبول، هي علامة أولى وأكيدة على هزيمتها القادمة في الانتخابات العامة. وعليه، ربما ترتد مفاعيل هذا الانقلاب العلني الفاضح على الديموقراطية، ومصادرة صوت الناس وإرادتهم، تعجيلاً في أجَل الأردوغانية المُنتفخة، التي لن يكون مآلها على أية حال، مختلفاً عن مآل شبيهاتها. أتذكرون التوليفة القوموية – الإسلاموية التي هيمنت على خطاب صدام حسين وحركاته وسكناته في السنوات الأخيرة من حكمه الساقط؟

من هنا، يمكن تفهم، وليس تبرير، الاستماتة الأردوغانية للانقلاب على نتائج بلديات إسطنبول، ومحاولة الظفر بها، عبر سياسة الترهيب وتوظيف مقدرات السلطة وإمكاناتها، ليس فقط في عملية إلغاء مفاعيل الانتخابات الأخيرة بل وفي ضمان تزوير نتائج الإعادة سلفاً، لصالح مرشح “حزب السلطان”.

* كاتب كردي سوري.

المصدر: الحياة اللندنية

مقالات ذات صلة