ذراع أردوغان الطولى في أوروبا

نشرت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، الصادرة كل شهرين، في عددها الأخير، مقالاً مثيرًا حمل عنوان “ذراع أردوغان الطولى في أوروبا”، للباحث والكاتب الأكاديمي لورينزو فيدينو المعروف بكتاباته حول “الإسلام السياسي” على شتى أشكاله.

فقد حاول الكاتب في مقاله المطول تسليط أضواء كاشفة لمراحل تحوّل حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان من حزب جماهيري محافظ ديمقراطي إلى حزب إسلامي راديكالي، وتوظيفه جماعات الإسلام السياسي، في مقدمتها منظمة “الرؤية الوطنية” (ملي غوروش) التركية والإخوان المسلمين العربية، في تسويق سياساته الإقليمية والدولية.

وأفاد الكاتب أن تركيا تسعى للحصول على النفوذ والقوة في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، ونشر الأفكار الراديكالية التي تعرِّض الجهود المبذولة لدمج الشتات التركي للخطر، مشيرًا إلى أن العلاقات مع تركيا تسببت في السنوات الأخيرة بصداع لمعظم الحكومات الأوروبية، بعدما ولّت منذ زمن طويل تلك الأيام التي كان معظم المراقبين الأوروبيين ينظرون إلى الرئيس أردوغان وحزبه العدالة والتنمية كديمقراطيين حقيقيين منفتحين للحوار والتعايش المشترك.

ولفت لورينزو فيدينو إلى أن الحكومات الأوروبية ترفض بشكل روتيني السياسات الخارجية والداخلية التركية فيما يتعلق بعديد من القضايا، ذكر منها تعامل أنقرة مع تنظيم داعش الإرهابي، وأزمة الهجرة، والمعاملة التعسفية للصحفيين والمعارضين السياسيين والأقليات، ثم أضاف: “لكنها فوجئت بنفس القدر بالخطاب العدواني لنظام حزب العدالة والتنمية تجاه زعماء الاتحاد الأوروبي ومحاولاته الجريئة لممارسة النفوذ والتأثير على الشتات التركي، بل على كل المجتمعات الإسلامية الأوروبية عامة.”

ووصف فيدينو موجة التصريحات الاستفزازية التي تدلي بها قيادات تركية عليا من حين لآخر، وعلى رأسها أردوغان، وتضخّمها بانتظام وسائل الإعلام الرسمية والموالية للسلطة بـ”المثيرة للقلق”، متهمًا كبار السياسيين الأتراك بانتهاز أي جدل مع أوروبا بانتظام ليتهموها بمعاداة وكراهية الإسلام، وحثّ الأتراك وغيرهم من المسلمين الذين يعيشون في أوروبا على رفض القيم الغربية.

وأردف فيدينو: “يتوجه المسؤولون الأتراك أحيانًا أخرى إلى خطاب مثير للاشمئزاز، مثلما أعلن ألبارسلان كافاكليوغلو، رئيس لجنة الأمن والاستخبارات بالبرلمان التركي، في مارس 2018 أن ’أوروبا ستكون مسلمة. سنكون فعالين هناك إن شاء الله. وأنا واثق من ذلك”.

ثم أعطى مثالاً آخر على هذا الخطاب المثير للاشمئزاز قائلاً: “في خطاب ألقاه في يناير عام 2019 بمدينة إزمير، صرح الرئيس التركي أردوغان نفسه بأن حدود تركيا تمتد من فيينا إلى شواطئ البحر الأدرياتيكي، من تركستان الشرقية [منطقة شينجيانغ الصينية ذاتية الحكم] إلى البحر الأسود”.

واستدرك الكاتب قائلاً: “لكن الموقف الجديد لتركيا يتجاوز بكثير هذا الخطاب العدواني. فخلال العقد الماضي، استثمرت أنقرة مبالغ كبيرة في تطوير كل من المنظمات الحكومية وغير الحكومية لتعزيز أجندتها السياسية في جميع أنحاء أوروبا. وبينما تسعى معظم هذه الأنشطة إلى بناء النفوذ من خلال تشكيل جماعات الضغط، والأنشطة التعليمية والثقافية، فإن هناك أنشطة أخرى أهدافها أكثر خطورة”.

كما تطرق الكاتب إلى أن الأجهزة الأمنية في مختلف الدول الأوروبية كشفت عن زيادة هائلة في أنشطة وكالات الاستخبارات التركية على أراضيها، حيث قال: “منذ الانقلاب الفاشل في يوليو 2016، والذي ألقى أردوغان باللوم فيه على حليفه السابق الداعية الإسلامي فتح الله كولن، تم توسيع نطاق تلك العمليات لتشمل خطف المتعاطفين معه والمنتسبين إلى حركة الخدمة، وكذلك الأكراد والعلمانيين وغيرهم من نشطاء معارضين لحزب العدالة والتنمية الذين يعيشون في أوروبا.”

وذكر الكاتب في مقاله بمجلة فورين بوليسي المقربة من الدوائر السياسية فى واشنطن، أن تركيا تتهم أيضًا بإساءة استخدام نظام “الإشعار الأحمر” الصادر من إنتربول عن طريق إضافة أسماء مجموعة واسعة من معارضي نظام أردوغان، بمن فيهم لاعب كرة السلة أنس كانتر المعروف بتعاطفه مع حركة الخدمة في قاعدة بيانات المنظمة.

ثم نوّه لورينزو فيدينو بأن السياسي النمساوي البارز بيتر بيلز من حزب الخضر حصل على وثائق مسربة من مصادر تركية لم يكشف عنها، ونقل عنه قوله: “لقد فوجئنا بأنفسنا عندما رأينا أن تركيا أردوغان قد أسست شبكة تجسس مشددة، من اليابان إلى هولندا، من كينيا إلى المملكة المتحدة.” “في كل ولاية، يتم استخدام شبكة تجسس ضخمة تتكون من جمعيات ونوادي ومساجد عبر السفارة والملحق الديني وضابط المخابرات المحلي من أجل التجسس على منتقدي أردوغان على مدار الساعة”.

وأشار فيدينو إلى أن السلطات في العديد من الدول الأوروبية تتحدث علنا أو سرا عن ديناميات مماثلة وكشف الستار أكثر من مرة عن مؤامرات لاختطاف معارضي النظام على أراضيها، ثم يوضح قائلاً: “أنشطة الحكومة التركية على الأراضي الأوروبية، سواء كانت تهدف إلى التجسس أو التأثير، تقودها سفاراتها التي تعمل تحت الحصانة الدبلوماسية. لكن السفارات، كما لاحظ بيلز ، تشرف على شبكة واسعة من الكيانات غير الحكومية، بدءًا من المنظمات الدينية وانتهاء إلى الشركات الخاصة. من أهم العناصر في هذه الشبكة هو أعضاء “الرؤية الوطنية”، التي تأسست في أواخر الستينيات على يد نجم الدين أربكان الراحل، المرشد السياسي لأردوغان”.

مقالات ذات صلة