“مسافة أمان” دراما من لحم ودم

السياسي-شاشات

تحت عنوان “مسافة أمان دراما من لحم ودم” كتبت فاتن قبيسي في موقع “شاشات”، مشيرة الى أنّها قليلة هي الأعمال التي تنسى بأن ثمة شاشة تفصلك عنها لشدة واقعيتها. وهذا ما شعرنا به مع مسلسل “مسافة امان” (انتاج “ايمار الشام”). مشاهد كثيرة زجتنا داخلها. اشعرتنا كأننا شهودا عليها عن قرب، بلا عدسة تفصل بيننا وبين ما نراه. الاحساس العالي هو سمة العمل بالاجمال. الكاتبة ايمان السعيد اجادت في رسم الشخصيات والتقاط مشاعرها وانفعالاتها. والمخرج الليث حجو لعب على وتر الشخصيات من خلال جهاز لاقط دقيق لديه. فهو المخرج الحساس ازاء الواقع، والمتحسس جدا في طريقة تناوله. منذ الازمة السورية وهو يحاول ان يستحضرها وتداعياتها في اعماله. واذا حدث وقدم عملا “برانيا”، يشعر بأنه يغرد خارج السرب، ولا يرضى عن نفسه.

وتتابع: “مسافة أمان يستعرض بتوازن وعمق حالات اجتماعية عدة، تسير بالموازاة مع بعضها تصاعديا. السمة الاساسية لهذه الحالات هو الخذلان او الغدر الذي تُمنى به الشخصيات من بعضها البعض. فكل شخصية تتلقى خيبة الامل من اقرب المقربين.. والكل يدور في فلك البحث عن الامان في مرحلة ما بعد الحرب السورية. وكأن شيئا في العلاقات الاجتماعية اصابه العطب. وعبرها يتم يتناول قضايا هامة من مثل تجارة الاعضاء، والادوية الفاسدة، وتهريب السلاح”.

من هنا، جاءت الاحداث والحوارات مسكونة بالجوارح والجروح. تجرّعنا كل حالة انسانية على حدة. والامثلة هنا كثيرة. وثمة مشاهد تعلق في الذهن لبلوغها الذروة الواقعية. من مثل المشهد الذي يجمع بين “نور” (حلا رجب) ووالدها (جرجس جبارة) وحديثهما حول فستان العرس، وآخر يجمع بينها وبين “يوسف” (قيس الشيخ نجيب) وهو يعترف لها بحبه على سطح المبنى، على وقع صوت الآذان، في لقطة واسعة مطلة على المدينة. ومشهد ثالث حول طبيعة الانفعال الذي استبد ب”صبا” (هيا مرعشلي)، وهي تتلقى خبر وفاة اخيها المفقود على لسان (علاء قاسم). وكذلك المواجهة بين “نهاد” (نايدن تحسين بك) و”سراب”(كاريس بشار) اثر اكتشاف الاولى خيانة الثانية، الى جانب المواجهة الاخيرة بين “سلام” (سلافة معمار) ومروان (ايهاب شعبان).

وعليه، فمتابعة العمل لا تستند الى الناحية الحدثية التشويقية فحسب، بل الى الناحية التفاعلية ايضا والتأثر بالشخصيات، والتورط بأحاسيها. وقد ساعد في ذلك:

-مضمون عميق، ودقيق ولصيق بالبيئة السورية.

-اطلالة الممثلات بلا ماكياج واضح، في وجوههن شيء من التعب ومشقة محاولات النهوض مجددا بعد سنوات صعبة.

-اللقطات القريبة واستدارة حركة الكاميرا، وهي الحركة التي واكبت على سبيل المثال تذكر “سلام” للوشم المطبوع على رقبة “مروان”، كمن يفيق من غفلة، وذلك كدليل ادانة له كاحد قتلة زوجها.

-الأداء التمثيلي اللافت. مع هذا العمل يصعب التفضيل بين الممثلين. الكل برعوا. بمن فيهم حديثي التجربة. لا بطولات معينة. بل ثمة تجنيد جماعي لصالح بطولة العمل ككل.

غير ان اللامنطقي الوحيد في العمل هو قيام ابن مالك العقار الذي تسكن فيه “صبا” وعائلتها، بقتل والده لسبب تافه. واذا كان العمل يرصد حالات الناس ما بعد الحرب، فان الامر لا يصل الى حد يقتل فيه الابن والده، بسبب توبيخه امام الناس، وان كان المقصود ربما هو الاشارة الى شيوع ثقافة الحرب واستسهال القتل. كما ان العمل الذي بدأ قويا مع البارعة سلافة معمار المُطاردة من قبل عصابة (..) أصابه استرخاء حدثي في بعض الحلقات، لتعود الأحداث وتشد من أزره لاحقا.

وتختم قبيسي: ولم يكن للاستعانة بصوت الراوية اي داع. بل كان له مردود عكسي. فالمسلسل لا يحتاج بين مشاهده الى مزيد من التعريف او الى اضاءات اضافية. سره في اكتنازه ذلك العمق. لا يستدعي تلك الشروحات “الانشائية”، وان كان مضمونها جيدا. فقد كانت تأخذ المشاهد من “اندماج” المتابعة، الى شكل سردي يذكّره بان ما يراه يقع بين دفتي رواية. كما ان المشاهد لا يحتاج الى “تلقيمه بالملعقة” أبعاد ما يراه على الشاشة.

كذلك الموسيقى التصويرية لاياد الريماوي لم تضف جديدا. نغمتها تشبه الموسيقى التي وضعها الريماوي نفسه لمسلسل ““الندم” (اخراج الليث حجو ايضا) . الجو العام للمعزوفتين متقارب لدرجة خلطنا بينهما في بادىء الامر.

وبالاجمال “مسافة أمان” عمل سوري استحق فعلا المشاهدة. وذُيل بأفضل النهايات الممكنة. علما ان إختيار توقيت عرضه عند السادسة مساء، عبر محطة LBCI، وعند الحادية عشرة مساء على قناة ““لنا”، أمر ظلمه بعيدا عن أوقات الذروة.

 

مقالات ذات صلة