سر تراجع الإعلام الجزائري عن دعم الحراك الشعبي

السياسي – وكالات –  لاحظ الجزائريون في الأسابيع الأخيرة، عزوفا للقنوات عن تغطية المسيرات الشعبية في بث مباشر كما كانت تفعل في بدايات الحراك الشعبي كل يوم جمعة.

وأصبح المتظاهرون يعبرون في مسيراتهم، عن سخطهم من غياب التغطية الإعلامية، من خلال ترديد هتافات “أين هي الصحافة؟” أو رفع لافتات تصف بعض القنوات بأنه خانت الحراك الشعبي.

وكانت بعض القنوات تعمد إلى تغطية انتقائية للمسيرات، تقوم على حجب الشعارات والهتافات التي تهاجم رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح باعتباره في حكم القائد الفعلي للبلاد حاليا بعد استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

لكن مع توسع موجة النقد الموجهة ضد قايد صالح في المسيرات، أصبحت القنوات تعزف تماما عن إظهار ما يُردده المتظاهرون، أو تحريف مضمونه في أحسن الأحوال عبر القول بأن الجزائريين يطالبون بالتغيير الجذري والإصلاح أو الحديث فقط عن الجانب المتاح المتعلق برئيس الدولة المؤقت أو الوزير الأول اللذين يطالب الحراك برحيلهما.

وتُشبه هذه المعالجة، ما حدث في 22 شباط الماضي يوم انطلق الحراك الشعبي بشكل مفاجئ، جعل أغلب القنوات والصحف ترتبك في نقل مطالبه الواضحة الداعية لرحيل الرئيس بوتفليقة وشقيقه من الحكم. لكن مع توالي أيام التظاهر، تحررّ الإعلام وأصبح مواكبا بقوة للحراك ينقل كل تفاصيله، حتى من جانب القنوات الرسمية التي انتفض فيها الصحفيون رفضا للتعتيم على المظاهرات.

استغلال سياسي للإعلام

ويقول الكاتب الصحفي نجيب بلحيمر، في تعليقه على ما يجري، إنه “لا شيء تغير في ميدان الإعلام، فنفس القواعد والمنظومة القانونية هي التي تحكم ممارسة المهنة في الجزائر”.

ويوضح بلحيمر الذي تعرض للرقابة على التلفزيون العمومي بسبب آرائه المنتقدة للسلطة الفعلية، قائلا: “بعض الانفتاح الذي حدث في الأسابيع الأولى من الحراك الشعبي كان جزءا من الارتباك العام في المشهد. وقد عوّلت السلطة على عامل الوقت لعودة الأمور إلى طبيعتها لكن ذلك لم يحدث، ولهذا تم التدخل مباشرة من أجل فرض خط تحريري منسجم مع الخطاب الرسمي”.

ويرى بلحيمر أن “عودة الرقابة بشكل فج وصريح الآن يدخل ضمن مساعي فرض خارطة طريق السلطة والتي تقوم على الإسراع في إجراء الانتخابات دون تغيير منظومة الحكم”، فالسلطة في رأيه كانت دائما تتعامل مع وسائل الإعلام العمومية والخاصة كـ”أدوات لتوجيه الرأي العام”.

ويشير هنا إلى أن الضغط يتم “بشكل مباشر على القنوات التلفزيونية الخاصة، في حين تلعب الإعلانات التي تحتكرها وكالة الإشهار ورقة لإخضاع بعض الصحف المكتوبة واسعة الانتشار”، وكل هذا يدخل، حسبه، ضمن مسعى فرض الحل الذي تريده السلطة الفعلية المتمثلة في قيادة الجيش.

والمعروف أن القنوات الخاصة التي تبث محتوى جزائريا، هي ليست في القانون قنوات جزائرية بل مكاتب فقط لقنوات معتمدة في دول أخرى، الأمر الذي يجعل وضعها في الجزائر هشا للغاية ما يهدد بإغلاقها في أي لحظة.

وعلى الرغم من صدور قانون السمعي البصري سنة 2014، إلا أن السلطات الجزائرية لم تعتمد إلى الآن أي قناة خاصة لأسباب يراها كثيرون سياسية تتعلق بعد وجود إرادة سياسية لتحرير هذا القطاع الحساس.

أوامر تأتي من الجيش

من جانبه، يعتقد الصحفي بوعلام غمراسة في جريدة “الخبر” الواسعة الانتشار، أن منع تغطيات المسيرات في الأسابيع الأخيرة أو تغيير محتوى مطالبها، يأتي بأوامر مباشرة من مديرية الإعلام بوزارة الدفاع.

ويقول غمراسة إن هذا السلوك من وسائل الإعلام ليس مستغربا، فقد “كانت مؤسسة الجيش وقيادتها، وذراعها الاستخباراتي، دائما خط أحمر في النظام، ووسائل الإعلام تعرف حدودها في هذا الجانب، فلا تتخطاه”.

ويصل المتحدث إلى حد القول بأن “حرية الصحافة والتعبير تعيش أسوأ مراحلها حاليا، لأن التلويح بالسجن يدفع الصحافيين إلى ممارسة الرقابة الذاتية على عملهم”.

وتحدث الفريق أحمد قايد صالح في خطابه الأخير عن أن الإعلام يتعين عليه بأن يكون مرآة عاكسة للمطالب الفعلية والحقيقية للشعب الجزائري، وهو ما رآه العديد من الصحفيين تناقضا بين واقع التضييق الذي يمنع على الإعلام أداء عمله وبين الخطاب الرسمي.

الاصطفاف مع الأقوى

وفي تصور حمزة هواري أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة تيبازة، فإنه “لا يمكن تصور نظام إعلامي مختلف عن السلوك السياسي للسلطة الفعلية الحالية في الجزائر أو منفلت عن الجو العام للبلد”.

ويشير هواري إلى أنه من الخطأ الاعتقاد بأن الحراك قد حرر الإعلام في الجزائر، وما حدث هو انعكاس فقط لحالة التصدع في مراكز القرار العليا.

ويضيف: “بما أن وسائل الإعلام في الجزائر كانت في الغالب أجهزة إيديولوجية في يد السلطة لتوجيه المجتمع  فإنها اختارت القطب الذي يملك القوة والسلطة”.

ويستطرد الأستاذ الجامعي قائلا: “دون أن ننسى الوضع المالي لهذه المؤسسات التي تأمل في أن يكون الاصطفاف لجهة السلطة الفعلية حلا لمشاكلها المالية، ولطالما كانت السياسة والمال المحددين الأساسيين للخط الافتتاحي لأي وسيلة إعلامية في الجزائر”.

مقالات ذات صلة