كل إسرائيل نتنياهو…
هاني عوكل

صفعة يتلقاها زعيم حزب “الليكود” بنيامين نتنياهو بعد فشله في استمالة بعض الأحزاب اليمينية لتشكيل حكومة جديدة في إطار المهلة المحددة له بعد انتخابات نيسان الماضي، وسط توقعات بأن تعيد الانتخابات المقبلة منتصف أيلول 2019 نتنياهو إلى الواجهة.

نتنياهو كان حريصا على تشكيل حكومة تحت الطاعة ولا تعترض على سياساته، خصوصا في مرحلة صعبة وحساسة وتتزامن مع تسويق الولايات المتحدة الأمريكية خطة للسلام، هي أقرب في تفاصيلها إلى واقع يعكسه الاحتلال الإسرائيلي في إجراءاته اليومية ضد الفلسطينيين.

لم يتمكن الرجل من توليد حكومة تعكس طموحاته، ما دفعه لتفضيل إجراء انتخابات جديدة بحل الكنيست، على أن يطلب الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين من شخصية غير نتنياهو تشكيل حكومة جديدة، وبهذا تمكن الأخير من إنقاذ نفسه.

ويبدو أن زعيم “الليكود” كان يراهن على جر حليفه في السابق أفيغدور ليبرمان زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” اليميني إلى الحكومة الجديدة، غير أنه اصطدم بخلاف واسع معه، والحال كذلك مع بعض الأحزاب اليمينية والعلمانية.

ليبرمان يتهم نتنياهو بأنه لا يسعى إلى تشكيل حكومة يمينية، وأنه “ناعم” في التعامل مع قضايا يفترض أن يكون حازما فيها مثل مشروع قرار تجنيد اليهود الأرثوذكس الذي رفض من قبل أحزاب دينية يمينية متشددة، وقرار نتنياهو بتحويل 30 مليون دولار إلى قطاع غزة وتجميده قرار إخلاء الخان الأحمر.

والحال أيضا أن زعيم “الليكود” ينظر إلى شخص مثل ليبرمان بأنه الخشبة التي يمكن أن يمسك بها نتنياهو في أوقات الشدة، إذ كان يفاوض الأخير أحزابا أخرى غير “إسرائيل بيتنا”، لأنه مع فكرة وجود ائتلاف قوي غير خاضع للمساومات والابتزاز.

لا مانع لدى نتنياهو أن يتحالف مع الشيطان لو أن ذلك سيعني بقاءه في السلطة إلى أطول فترة ممكنة، فهو يقدم نفسه على أنه الشخصية الأوفر حظا لقيادة إسرائيل، وأنه صاحب الإنجازات ويستحق أن يعامل معاملة تفضيلية عن غيره من القيادات الإسرائيلية.

في الحقيقة نتنياهو هرب إلى الأمام حينما سعى إلى حل الكنيست عبر حزبه “الليكود”، لأن ذلك قد يؤدي إلى صعوده في الانتخابات المقبلة، ومن ثم سيراهن من الآن على جلب الحلفاء والسعي إلى الحصول على مقاعد تفوق الـ36 مقعدا، التي حصل عليها حزبه في انتخابات نيسان 2019.

بشق الأنفس استطاع زعيم “الليكود” في الانتخابات الأخيرة تجاوز حزب “أزرق أبيض” الوسطي بفارق مقعد واحد، ولذلك لن تكون مهمته سهلة في الحصول على نسب أعلى في الانتخابات المقبلة، خصوصا في إطار شبهات الفساد التي لا تزال تحوم حوله.

أيضا ينبغي الإشارة إلى الدعم الكبير الذي حصل عليه نتنياهو من صديقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهي مصلحة متبادلة بين الرجلين فهما يتفقان في موضوعات كثيرة وكلاهما يدعم الآخر، ويكفي التذكير بقرارات ترامب حول الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتثبيت وتأبيد سيادتها على الجولان.

ما قد نلحظه في المستقبل القريب، أن ترامب لن يقف مكتوف الأيدي فيما يجري الآن في إسرائيل، إذ من غير المستبعد أن يُجمّد الإعلان عن صفقة القرن إلى حين إجراء انتخابات الكنيست بعد عدة أشهر، ولعله أيضا يربط الإفصاح عن الصفقة بنجاح نتنياهو في الانتخابات وتشكيله حكومة جديدة.

وأما بالنسبة لنتنياهو، فإنه يفضل هذه المرة تضييق رقعة الخلاف مع باقي الأحزاب التي يمكنها أن تتحالف معه لاحقا، ومن المتوقع أن يبدأ من الآن توسيع هامش الأصدقاء وتقليل الأعداء ولو بشكل مؤقت، إلى حين الانتهاء من أزمة الانتخابات.

الفلسطينيون تعلموا أن الانتخابات الإسرائيلية ليست ساحة للرهان على أي شخص أو حزب، لأنه سيكون رهانا خاسرا بالتأكيد، بدليل أن الدولة العبرية شهدت طيلة عشرات السنين تداول السلطة من قبل اليمين واليسار والنتيجة كله “يمين”.

والحديث هنا عن حكومة جديدة وسط أو علمانية أو هجينة بين يمين ووسط هو هراء، لأن هذه الأحزاب خرجت من رحم واحد وهي نتيجة سياسة إسرائيلية متمسكة برفض حقوق الشعب الفلسطيني، ووأد الدولة وطمس الهوية الفلسطينية.

على أن تجربة الانتخابات الإسرائيلية وما يسبقها من مساومات ومهادنات وتحالفات، ينبغي أن تكون موضع دراسة بين الأوساط الفلسطينية،وتحديدا التنظيمات والفصائل التي تفتقد إلى المرونة والتعقل في كيفية التعامل مع الصراع الفلسطيني الداخلي.

في إسرائيل يرفضون الفراغ السياسي ويعتمدون على الانتخابات حتى تفرز الغث من السمين، بينما في الجانب الفلسطيني تجد فرقاء الانقسام الداخلي يراوحون مكانهم، ساكنين سكون الليل وكأن الحياة انتهت ولا عودة عن الانقسام الملعون الذي ناهز 12 عاما.

لا ينبغي القلق من الانتخابات الإسرائيلية المقبلة بصرف النظر إن جاءت بنتنياهو أو حملت معها رياح التغيير، فالأصل أن كل إسرائيل نتنياهو، وكل الأحزاب بيمينها ويسارها وامتدادها الشعبي يتنكرون لحقوق الشعب الفلسطيني في أبسطها.

والحال أن يغار الفلسطينيون من عدوهم الذي يمارس الديمقراطية بالانتخابات ثم بعدها يفرض العنجهية والدكتاتورية، إذ يكفي أن النظام السياسي الإسرائيلي خاضع لدورة دموية متجددة، بينما يحتاج الفلسطينيون إلى تجديد دمائهم والبحث في الطرق التي تقويهم وتعينهم على مقاومة الاحتلال.

متى نسمع عن انتخابات فلسطينية مقبلة تتسابق فيها التنظيمات لعرض أفكارها ومقترحاتها للخروج من عنق الزجاجة، والاحتكام إلى نظام سياسي قوي ويصلح أن يكون مظلة تجمع تحت سقفها الكل الفلسطيني، بعيدا عن العصبوية والحرد الفصائلي الذي نعيشه ونسمع عنه كل الوقت.

مقالات ذات صلة