الإعلام السوري بين ضيعة ضايعة وعائلة سبع نجوم
د. عدنان عويّد

ضيعة ضايعة .. وحمام الهنا.. وبيت قاعور.. وعائلة سبع نجوم.. وجميل وهناء.. وكل الأفلام والمسلسلات التي عرضت علينا خلال هذه الأزمة حفظناها عن ظهر قلب حركة وعبارة وهدفاً.. وضحكنا على أنفسنا كثيراً, وأضحكنا العالم علينا, وعرفنا نحن وعرّفنا العالم من خلالها على أنفسنا كم نحن متخلفين وجهله وسطحيين وسذج. وإن تخلفنا وسذاجتنا وجهلنا قد ازداد وأوصلنا إلى ما نحن فيه خلال هذه الأزمة من قتل ودمار وتشرد وحقد وكراهية لبعضنا البعض, حيث رحنا نعفش بيوت بعضنا, ونقتل بعضنا على الهوية. وأن قيم الفساد من الدعارة والمخدرات وصولاً إلى الرشوة, قد أصبحت منتشرة بين أجيالنا والحمد لله أيضاً على نعمه.

ولكن يظل السؤال المشروع يطرح نفسه علينا اليوم وهو: ترى ماذا يريد القيمون على الإعلام الخاص والعام في سورية, وبخاصة (التلفاز), من عرض هذه المسلسلات بشكل متكرر وصل إلى حد القرف؟, حيث رحنا نفقد بهجة الضحك ذاته لكثرة ما ضحكنا على أنفسنا, بل رحنا نكره دريد لحام وباسم يا خور وكل الكادر الفني الذي شارك في هذه المسلسلات, ولا أبالغ إذا قلت إن هذا الكادر الفني ذاته ربما بدأ يشعر بالخجل من الجمهور لكثرة ما عرضت هذه المسلسلات عليه من جهة, وللمفارقة الكبيرة والعجيبة بين ما تطرحه هذه المسلسلات من مهازل وإهانة لعقل وإحساس وكرامة المواطن السوري, وبين بؤس الواقع الذي يعيشه المواطن السوري ذاته من قهر وتشرد وفقر وجوع تحت مظلة انخفاض الليرة السورية أمام الدولار وإرتفاع الأسعار الذي جعل راتب الموظف من الدرجة الأولى لا يكفيه أسبوعا…. هذا عدا حرمة دماء الشهداء الأبرياء الذين دافعوا ولم يزالوا يدافعون عن الوطن ضد أكبر هجمة من التخلف الفكري والسياسي معا من جهة ثانية.!!!

نعم… ماذا يريد القيمون على الإعلام السوري منا نحن أبناء سورية.. أبناء الأبجدية والحضارة, وليس أبنا قاعور وماعور وعائلة سبع نجوم وغيرها من العائلات المتخلفة.. ألا يكفينا ترسيخاً للتخلف ومحاولة سلخنا من حضارتنا وجلودنا بعد أن سلخنا من من لباسنا وقيمنا وممتلكاتنا؟!.

سورية التي قدمت للعالم الحضارة ولم يزل أبناؤها رغم كل مآسيهم مشعلاً للمعرفة والعلم, هي بأمس الحاجة اليوم لمن يقول لأبنائها تعالوا أيها العمالقة في حضوركم وعطاءكم كي نبني سورية من جديد.. تعالوا كي نعيد لها ألقها وبهجتها واشعاعها الحضاري وعقلانيتها

كم نحن اليوم بحاجة لحوارات عقلانية على شاشات التلفاز تبين لأبناء شعبنا لما نحن اليوم في دوامة القهر والظلم والتخلف؟… وكم نحن اليوم بحاجة لحوارات تعلم أبناءنا معنى الحرية التي حمل شعارها أعداء الوطن وتاجروا بها؟. وكم  نحن بحاجة كذلك لمعرفة معنى المواطنة والعلمانية في دولة قدرها أنها متعددة الطوائف والمذهب والأعراق.. وكم نحن بحاجة اليوم لتوضيح معنى الطائفية ومن يشتغل عليها من أجل تغتيت المجتمع والدولة وقتل روح المواطنة وتخريب النسيج السوري وتدميره.. وكم نحن بحاجة لبحث مفهوم الإرهاب وجذوره وتياراته, وكيف وظف الدين من أجل مصالح لقوى الداخل والخارج.

نعم .. نحن بحاجة لكل ذلك ولغيره من فهم ومعرفة عقلانية تنويرية تبحث عن الحقيقة,.. حقيقة جهلنا وتخلفنا.. إن مسلسلات الجهل والتخلف هذه لن تزيدنا إلا تخلفا وقهراً, ولن تنسينا حقيقة ما نحن فيه كما يعتقد البعض.. إن نسيان ما نحن فيه لا يتحقق إلا بالفكر التنويري العقلاني النقدي الذي يبدوا أن بعض قادة الإعلام السوري يفتقدون إليه.

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية.

d.owaid333d@gmail.com

مقالات ذات صلة