العنصرية في لبنان تدخل مرحلة الخطورة
مالك ونوس

جاوز إناء العنصرية في لبنان مرحلة الامتلاء والنضح، ووصل إلى مرحلة الفيضان، فأخذ ينسكب عبر تصريحات عدد من اللبنانيين، منهم وزير خارجية البلاد الذي لم يتنطع له رادع يردعه عن الإيغال بعنصريته وتوجيهها الوجهة التي يحسبها والتي لا يحسبها. وواضحٌ أن الطبقة السياسية في البلاد راضية بخطابٍ كهذا؛ إذ لم تُخضِع الوزير لمساءلة برلمانية أو وزارية على خلفيته، وهو أمرٌ غير مستغرب، لأن هذه الطبقة منفصلة عن اللبنانيين، وتستعلي عليهم، فما بالك بغيرهم؟ لكن الخطورة تكمن في عادية هذا الخطاب، وعدم ملاقاته من النخبة الثقافية بالدراسة، ومن الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني بالنقض.
في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2017، نشر رئيس حزب التيار الوطني الحر، وزير الخارجية والمغتربين اللبناني، جبران باسيل، تغريدةً، ربما أراد فيها تعمَّد اقتراف الخطأ اللغوي، إمعاناً باقتراف الاعتراف بالخطأ العنصري وممارسته، عنصرية أعلن تبنّيها، حين قال في التغريدة: “عنصريين بلبنانيّتنا، مشرقيّين بتكويننا، عالميّين بانتشارنا..”. هكذا وبكل خفة، ومن دون التفكير بتبعات خطابه، كرَّس الوزير لمسيرة من الخطابات العنصرية التي يطلقها، والتي بدأت مستترة منذ دخوله الحكومة اللبنانية قبل سنوات عشر.
وبعد تغريدةٍ له، بداية شهر يونيو/ حزيران الحالي، لا تُعد غريبة بقدر ما تُعد تتويجاً وإعلاناً صريحاً عن أفكاره التي يتبنّاها جهاراً، تحدَّث فيها عن أن تفوق اللبنانيين على الآخرين جيني، وبعد خطاب له قبل أيام، وُصِف أنه عنصري، تحدّث فيه عن العمالة الأجنبية في لبنان، وبعد متابعة سلسلة تصريحاته التي يعترف في أحدها صراحة بعنصريته، وباتت تؤسس جميعها لخطاب كراهيةٍ حقيقي، يمكن القول: إن تصريحاته العنصرية أصبحت ظاهرةً اعتاد عليها الشارع اللبناني. وهو اعتياد جعله يتعاطى معها بخفةٍ ولا مبالاة، لا يدري أحدٌ ما يمكن أن يؤدّي إليه التغاضي عنها، وعدم تناولها بالدراسة والتحليل والنقض. وعلى الرغم من أن خطاب الكراهية هذا موجهٌ بالتحديد للاجئين الفلسطينيين والسوريين في لبنان، إلا أنه يحمل خطورةَ تأسيسه حالةً من العدائية والإنكار تجاه الآخر، أي آخرٍ، في لبنان.
تنطلق العنصرية من فكرة إلغاء الآخر، وتصل إلى فعل الإلغاء الفعلي بقتل الآخر. ولن يكون مفاجئاً الوصول إلى هذا الفعل، بل سيكون مفاجئاً تسامح العنصريين مع الآخر، وعدم الوصول إلى عملية إلغاء وجوده الفيزيائي. إذاً سيصل باسيل وحزبه إلى هذه المرحلة، متبنين إيديولوجيات نازية وفاشية كالتي تنتشر هذه الأيام في أوروبا، متخذةً من العداء للمهاجرين ركيزة لها، لتتكرّس أحزاباً وحركاتٍ سياسية ذات وزنٍ وفعلٍ تكتسب مؤيدين، وتحصد نتائج جيدة في الانتخابات.
اكتسب باسيل مؤيدين من هذا القبيل، وحوَّل الحزب الذي يترأسه، التيار الوطني الحر، إلى حزبٍ يكرِّس أعضاؤه على الأرض ما يتفوَّه به رئيسُهم على المنابر. إذ أطلق قطاع الشباب في هذا الحزب، في 10 يونيو/ حزيران الجاري، حملةً معاديةً للعمال السوريين، اتخذت لها عنواناً عنصرياً هو: “بتحب لبنان؟ وظِّف لبناني”، ردّاً على تشغيل العمال السوريين في هذا البلد. ولم يغب عن بال هؤلاء الذين جالوا على المحال التجارية والمؤسسات والمعامل في بيروت وغيرها، طالبين من أصحابها طرد السوريين، وتوظيف لبنانيين مكانهم، وهدّدوا عمالاً سوريين وطالبوهم بالعودة إلى بلادهم، بعدما أصبحت آمنة، لم يغب عن بالهم أن يرتدوا زياً موحداً، أسوة بالزي الموحد الذي اعتاد نازيو أوروبا ارتداءه خلال مظاهراتهم، فقطعُ أرزاق  الناس هو بمثابة قتلهم معنوياً، أي إلغائهم، وهو ما يريده باسيل وتياره.
يندرج خطاب الوزير جبران باسيل الشعبوي، وممارسات عناصر حزبه، في فئة جريمة التمييز العنصري الذي نصت عليها “الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري”، والتي اعتمدتها الأمم المتحدة سنة 1965، وأصبحت نافذة سنة 1969، وكان لبنان من بين الدول التي صدّقت عليها. وبحسب البند الأول من المادة الرابعة في الاتفاقية، وهذا بالضبط ما يقوم به الوزير باسيل، حين يُحرِّض على العمال غير اللبنانيين، ويدعو إلى إعطاء الجنسية لأي أجنبي متزوج من لبنانية، ما عدا حاملي الجنسيتين الفلسطينية والسورية. كما يُعد “كل عمل من أعمال العنف أو تحريض على هذه الأعمال يُرتكب ضد أي عرق أو جماعة” جريمةً يعاقب عليها القانون، وهو ما قام به أعضاء حزب باسيل أيضاً، حين هدّدوا العمال السوريين، ودعوهم إلى مغادرة لبنان، ومن هؤلاء مَن يعتقد أنه قد يواجه مخاطر في حال عودته.
لقد وصل خطاب باسيل العنصري، وممارسات أعضاء حزبه، إلى مرحلةٍ من الخطورة يمكن لها أن تجرّ لبنان إلى هوةٍ تحضر الأجواء لمرحلة من الصراع الذي يؤسّس له التمييز العنصري. كما أن خطاباً عنصرياً من هذا القبيل يمكن له أن يُسهِّل عودة الخطاب والممارسة الطائفيّين، ليكونا سيِّدا التناول في الإعلام والتعاطي في الحياة اليومية، ليعيدا أجواء الأيام التي سبقت الحرب الأهلية اللبنانية، حيث الأرض اللبنانية خصبة وقابلة لإنبات حربٍ كهذه، لدى أي منزلق غير محسوب. كما أنها يمكن أن تكون دافعاً إلى لجوء العمال السوريين إلى أعمال غير قانونية، للحصول على حاجاتهم المعيشية، إن وجدت طريقها إلى التنفيذ، وجرى الاستغناء عن خدمات العمال السوريين.
من جهة أخرى، لا يبالي باسيل بردود الفعل على كلامه، أو على تداعيات خطابه وأثرها على علاقات بلاده الدبلوماسية والاقتصادية مع الدول الأخرى، وهو وزير الخارجية الذي عادةً ما تناط به مهمة تحسين هذه العلاقات. يقول بعضهم إنه ربما لا يدرك التداعيات والآثار السلبية التي يمكن أن يسببها خطابه على أبناء بلده، وخصوصاً العاملين في دول الخليج. وقال آخرون إن وزير المغتربين اللبناني أضر بالمغتربين. من هنا، كان رد الفعل الأفصح على كلام أطلقه قبل أيام حول أولوية اللبناني في التوظيف على السوريين والفلسطينيين والفرنسيين والسعوديين والإيرانيين والأميركيين، قد جاء على لسان مسؤولين ومغرِّدين خليجيين، تحدثوا عن وجود أكثر من ثلاثمئة ألف لبناني يعملون في السعودية وحدها. وانتقد هؤلاء كلامه في المؤتمر السنوي للطاقة الاغترابية في بيروت، في 7 و8 و9 يونيو/ حزيران الجاري. وسخر أحد المسؤولين السعوديين من كلام الوزير عن عمال سعوديين في لبنان، متحدثاً عما يمكن أن تؤدي له المعاملة بالمثل من منع اللبنانيين من العمل في السعودية، وبقية دول الخليج، وما ينتج عنه من طرد خمسمائة ألف عامل لبناني، وعودتهم إلى لبنان الذي يفتقر لفرص العمل.
طولب الوزيرَ بالاعتذار عن تغريداته وتصريحاته العنصرية، كما طولب بإقالته، أو على الأقل مساءلة رئيس حكومة البلاد له. كما تكلَّم بعضهم عن مسؤوليته عما وصلت إليه حال العمالة في لبنان من سوء، فهو لم يساهم في صياغة قوانين عصرية تحمي حقوق أبناء الشعب اللبناني، ولا في اتباع سياسات تعزّز اقتصاد البلاد وتوفر فرص العمل لأبنائها. فهو بذلك ينطلق من فشل إلى محاولة حصد نجاح لا قاعدة له سوى الخطاب الشعبوي الذي يجد آذاناً صاغية لدى فئةٍ تدغدغ كلماته أحاسيسها الطائفية، وتساعد في زيادة عدد ناخبي الرجل، في غياب مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والبرلمان، أو النيابة العامة التي يمكن لها مساءلة وزيرٍ يهدّد استقرار البلاد الاقتصادي والأمني، باقترافه جريمة كراهيةٍ وتمييزٍ طائفيٍّ موصوفة.

مقالات ذات صلة