عن المعارضة السورية في أخطائها ومشكلاتها
ماجد كيالي

بداية يجدر التوضيح أنه من الصعب الحديث عن المعارضة السورية بوصفها تتشكل في كيان سياسي أو عسكري معين، أي أن الأمر يتعلق هنا بالحديث عن قوى المعارضة التي تصدرت أو تحكمت بمسار الثورة السورية، منذ اندلاعها في مطلع العام 2011 بما لها وما عليها، بطريقة أو بأخرى. جانب أخر ينبغي توضيحه وهو أنه يفترض التمييز هنا بين تلك القوى وبين الشعب السوري، الذي يفترض أن المعارضة عمل سياسي مشروع، وهي ضرورة للتغيير السياسي. أخيرا فإن هذا الحديث يميز بين النظام، الذي حكم البلد لنصف قرن، وبين الشعب السوري، أو أغلبية هذا الشعب، وحقه في استعادة حقوقه في الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، أي يفترض التمييز بين الجانب الظالم والجانب الضحية في القضية المطروحة، مع علمنا بأن نقد المعارضة أو نقد الثورة السورية هو أمر ضروري ومشروع.

هكذا، ربما يمكن حصر أهم الأخطاء التي وقعت فيها تلك المعارضة، في الجوانب الآتية:

أولا، منذ البداية تصرفت القوى، أو الشخصيات الممثلة في المعارضة، وكأنها تحتكر تمثيل السوريين، ليس فقط في مواجهة التشكيلات الأخرى المنافسة، بغض النظر عن نوعية هذه التشكيلات، وإنما في مواجهة قطاع واسع من الكوادر السياسية المجرّبة، والمثقفين المعارضين، والناشطين الذين حملوا الثورة في بداياتها.

ثانيا، لم تنتبه المعارضة إلى أخطار تبديد الهوية السياسية للثورة، بسبب التلاعبات الخارجية بها، وبحكم ضعف بنيتها السياسية، وبواقع غلبة نفوذ الجماعات العسكرية المتعدّدة الاتجاهات والولاءات، التي أخذت الثورة إلى خطابات أخرى. وكان يفترض بالمعارضة -وهذا مبرر وجودها- أن تكون أكثر حرصًا على التمسك بكونها ثورة ضد الاستبداد، ومن أجل تحقيق الديمقراطية وإقامة دولة المؤسسات والقانون والمواطنين، واعتبار سورية لكل السوريين. طبعًا، ليس القصد هنا أن المعارضة غيّرت خطابها، بل القصد أنها سكتت عن خطابات الجماعات العسكرية المتطرفة، ذات الطابع الطائفي والديني، التي هيمنت على المشهد، وهو ما أفاد منه النظام.

ثالثا، لم تبدِ المعارضة الانتباه اللازم إلى أخطار تفريخ الجماعات العسكرية المتوزعة الولاءات، ولا إلى أخطار تصعيد الصراع المسلح، فوق الإمكانات وفوق القدرة على التحمل، وربما لا نضيف جديدًا بالقول إن هذه المعارضة، بغض النظر عن الادعاءات، لم يكن لها أي قرار أو دور، بخصوص التحول نحو الصراع المسلح، ولا في شأن إيجاد مناطق محررة.

رابعا، كشفت تجربة “المناطق المحررة” عن إخفاقً كبير؛ إذ لم تنجح المعارضة العسكرية في إدارة أحوالها، ولا التسهيل على الثورة، فضلًا عن أنها خسرت في الصراع على النموذج مع النظام، بل إن تلك المناطق أضحت بمثابة إقطاعات لجماعات عسكرية.

خامسا، لم تدرك المعارضة جيدًا الأخطار الكامنة، وراء تشريد ملايين السوريين، ونزوحهم إلى مناطق أخرى، أو تحولهم إلى لاجئين في البلدان المجاورة أو في بلدان العالم، إذ إن ذلك أخرج السوريين من معادلة الصراع، وحرَم الثورة من البيئات الشعبية الحاضنة، وسهّل على النظام تنفيذ مخططاته، فضلًا عن أنه حوّل القضية السورية إلى قضية إنسانية أو قضية لاجئين.

 

6 – في علاقتها مع ما يسمى “معسكر الأصدقاء”، يؤخذ على المعارضة ضعف حساسيتها إزاء التدخلات والإملاءات الخارجية، في تحديد خطاباتها وأشكال عملها، ومن جهة حضور ممثلين لبعض الدول في بعض اجتماعاتها، وذلك في غمرة اعتمادها على الخارج، وارتهانها له، لا سيما بعد التحول إلى العمل المسلح، من دون ملاءمة ذلك مع مصلحة السوريين وأولوياتهم، علمًا أن الدول لا تعمل كجمعيات خيرية، وإنما وفق رؤيتها لمصالحها ولدورها الإقليمي وللنموذج الذي تريده.

سابعا، ظلت المعارضة السورية، طوال الفترة الماضية، تتحرك وفقًا لخطاب المظلومية، ووفقًا لنزعة تطالب الدول الغربية بالقيام بما عليها لنصرة الشعب السوري، إن بإيجاد مناطق آمنة، أو مناطق حظر جوي، أو بوضع حد للقصف بالبراميل المتفجرة، لكنها لم تنتبه إلى أن خطاب المظلومية والحق والعدالة لا يكفي لتعاطف العالم، بدليل تجربة الفلسطينيين، وأن الدول تشتغل على أساس المصالح وموازين القوى، لذا ربما كان الأجدر بالمعارضة أن تشتغل على بناء ذاتها، وتعزيز هيئاتها، وأن تحافظ على خطاباتها المتعلقة بالحرية والديمقراطية والمساواة والمواطنة، التي تنسجم مع القيم العالمية، كي تكسب ثقة هذه الدول واحترام مجتمعاتها.

ثامنا، في المسألة الوطنية لم تستطع المعارضة إنتاج خطاب يعزز الثقة بين مكونات الشعب السوري، الأثنية والدينية والمذهبية، سيما مع سيادة الخطاب الطائفي-الديني، الذي عنى أنها تأثرت بخطاب النظام، أو استُدرجت إليه. ومثلًا، في القضية الكردية تبنت الموقف التركي، ولم تتعاط مع المسألة الكردية في سورية، بوصفها مسألة سورية، والمسألة الكردية في تركيا بوصفها مسألة تركية، ولم تجمع في خطابها بين حقوق المواطنة والحقوق الجمعية “القومية” للكرد، بوصفهم جزءًا من أمة أكبر (مثل الأمة العربية).

تاسعا، لم تشتغل قوى المعارضة، طوال السنوات الماضية، بما عليها لتنظيم وتعبئة مجتمعات السوريين، في الداخل وفي بلدان اللجوء، بل لم تقم أي هيئات منظمة، حقيقية وفاعلة، تنشط في أوساط تجمعات اللاجئين السوريين في البلدان الأوروبية، مع وجود انتخابات أو من دونها، ناهيك عن غياب الأنشطة المنظمة في مجتمعات هذه البلدان.

عاشرا، فقدت المعارضة استقلاليتها، بسبب اعتماديتها على هذه الدولة أو تلك، في كل شيء، حتى في النفوذ السياسي، وفي بناء الكيانات، وفي اتخاذ القرارات.

نحن إزاء واقع تراجيدي لثورة تراجيدية..كان الله في عون السوريين.

مقالات ذات صلة