انتصرت الديموقراطية وتراجعت الأردوغانية
شيرزاد اليزيدي

كما كان مُتوقعاً، ووفق ما كشفته مختلف استطلاعات الرأي، خسر بن علي يلدريم مُرشح حزب “العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا، جولة إعادة الانتخابات البلدية في إسطنبول أمام مُنافسه أكرم إمام أوغلو مُرشح حزب “الشعب الجمهوري” وبفارق مهول هذه المرة، ما عكس حجم السُخط الشعبي من محاولات السُلطة الأردوغانية الانقلاب على الديموقراطية ومحاولة الفوز ولو تزويراً وترهيباً برئاسة بلدية المدينة .

ولئن كان الفارق ضئيلاً في نتائج الانتخابات الملغاة بين مُرشحي “العدالة والتنمية” و”الشعب الجمهوري” لمصلحة الأخير، فإن الفارق قارب العشرة نقاط في الإعادة، ما يضع أردوغان وحزبه في موقع الهزيمة المُضاعفة. فلو أن الرئيس التركي تقبل النتيجة بروح رياضية ولم يعمد إلى تسخير أجهزة حُكمه العميقة واستخباراته السرية للدفع في اتجاه إبطال نتائج انتخابات بلدية إسطنبول التي أجريت في آذار (مارس) الماضي، واتخاذه قراراً بإعادتها، لكان موقفه أقوى وجديراً بالاحترام، على عكس موقفه الضعيف والمُهلهل مع هذه الهزيمة الثقيلة بل المُرة، ولمرتين متتاليتين، والتي تمثل إيذاناً بدخول الفاشية الأردوغانية طور النكوص والتقهقر والأفول. فليس سراً أن إسطنبول هي المحك والمُفتاح لبوابة حُكم تركيا، هذه الحقيقة التي لطالما رددها أردوغان بذاته، لكنه قبل أيام قليلة، وعشية الإعادة، وعلى غير عادته وطبعه التبجحي المغرور، وفي حين كان يُفترض به التعبئة والتحشيد والتحفيز، عمد إلى التقليل من شأن الانتخابات لدرجة القول أن الأمر شبيه بتغيير واجهة محل تجاري.

وللوهلة الأولى، بدت تلك التصريحات غريبة ولا منطقية لكن متى عُلم السبب بطُل العجب، فاستطلاعات الرأي واستبيانات مزاج الناخبين وسبر آرائهم وتوجهاتهم المُنظمة من قبل مراكز ومؤسسات تابعة للحكومة ومُمولة منها، جُلها كانت تُفيد بأن مُرشح حزب “الشعب الجمهوري” سيفوز مجدداً على منافسه مرشح حزب “العدالة والتنمية”، ما فسر ذاك الاستباق الأردوغاني للنتائج، عبر تسخيف الأمر وتتفيهه، في حين أن أردوغان هو ذاته من صرح وعن حق قبل أسابيع قليلة، وكما سبقت الإشارة أعلاه، بأن من يحكم إسطنبول سيحكم تُركيا وهذه بديهية تكاد تكون مُطلقة إذا ما أخذنا في عين الاعتبار الوزن التاريخي والديموغرافي والاقتصادي للمدينة التي تختزل تُركيا .
على أن ذاك الكلام المُخفف من قيمة المُنازلة الإسطنبولية وأهميتها بين الحكومة والمُعارضة، والتي انتهت بفوز ساحق للأخيرة، كان في أحد أوجهه من باب التمويه ومحاولة خلط الأوراق، وتثبيط عزيمة المُعارضين ومُجمل المُناهضين للسُلطة الأردوغانية ولانقلابها الموصوف على الديموقراطية، عبر إلغاء نتائج انتخابات إسطنبول بعد هزيمة مُرشحها. لكنه في كل الأحوال، مثّل مؤشراً قاطعاً إلى إدراك السُلطة أن محاولاتها التزوير والتلاعب وتوظيف مُقدراتها في هذا المضمار، لن تجعلها قادرة على قلب ميزان القوى والتفوق على مُرشح المُعارضة. ذاك الميزان الذي ثبت مُجدداً أن الصوت الكُردي الإسطنبولي الوازن والمُرجح هو بيضة قبانه.

هكذا، تراجعت الأردوغانية والأُحادية وانتصرت الديموقراطية والتعددية، لتنتصر بذلك تركيا بمختلف شعوبها وتلاوينها. فالمزاج العام في البلاد تُركياً وكُردياً، ومن مختلف المُكونات التي تستشعر خطر تغول السُلطة الداهم وانفلاتها المتمادي من كل عقال ديموقراطي وعقلاني، وسعيها إلى إرساء دعائم نظام فردي استبدادي يُراكم وسيُراكم أكثر فأكثر المُشكلات والأزمات الوجودية الخانقة سياسياً واقتصادياً، وعلى كل صعيد، قال كلمته وترجم نفسه ديموقراطيا وعبر صناديق انتخاب بلدية إسطنبول.

مقالات ذات صلة