MEE : لا يمكن الثقة برواية إسرائيل حول قتل الفلسطينيين

السياسي – قال الصحفي البريطاني الإسرائيلي، جوناثان كوك، إن اغتيال الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة كان رسالة من الاحتلال إلى الفلسطينيين، للتسليم بالأمر الواقع، وأن يلتزموا الصمت تجاه ما يجري لهم.

وقال كوك في مقال على موقع “ميدل إيست آي” أنه “خلال عشرين عاماً من العمل في تغطية الصراع تعلم أنه لا يمكن الثقة بتاتاً بالرواية الإسرائيلية حول موت الفلسطينيين أو الأجانب”.

وشدد الصحفي على أنه “لم يكن مفاجئاً لذلك أن أسمع رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت يوجه اللوم مباشرة إلى الفلسطينيين ويحملهم المسؤولية عن موت شيرين أبو عاقلة، حينما قال إنه يوجد احتمال كبير في أن يكون مسلحون فلسطينيون، يطلقون النار بشكل عشوائي، هم من تسببوا في موت الصحفية لسوء الحظ”، في تناقض واضح وصريح للحقيقة.

ولفت إلى أن إسرائيل “تسعى منذ وقت طويل لإيجاد ذريعة لوقف التغطية التي تقوم بها الجزيرة، وكثيراً ما كانت تحظر مراسليها أو تمنع عنهم البطاقات الصحفية. وفي شهر أيار/ مايو الماضي قصفت برجاً في غزة يؤوي مكاتب المحطة هناك”.

وتاليا نص مقال الصحفي جوناثان كوك:

إعدام مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة على يد جندي إسرائيلي في مدينة جنين الفلسطينية، ومساعي إسرائيل المباشرة لتعكير المياه حول من يتحمل المسؤولية عن ذلك، والتصريحات الواهية المعبرة عن القلق الواردة من العواصم الغربية، كل ذلك دفع بالذاكرة تتدفق عائدة إلى عشرين عاماً من العمل الصحفي في المنطقة.

على النقيض من شيرين أبو عاقلة، قلما وجدت نفسي على الخطوط الأمامية في المناطق المحتلة. فأنا لم أكن مراسلاً حربياً، وعندما كان ينتهي بي المطاف قريباً من الحدث كان ذلك دوماً يحدث عرضاً – مثلما حصل ذات مرة، وكان ذلك أيضاً في جنين، عندما انعطف سائق سيارة الأجرة بنا وإذا نحن وجهاً لوجه أمام دبابة إسرائيلية تصوب مدفعها نحونا. استنتجت من سرعة ومهارة سائقي وهو يتراجع ويجد طريقه بعيداً عن المكان أنها لم تكن المرة الأولى التي يتعامل فيها مع مثل ذلك الحاجز.

لكم غطت شيرين أبو عاقلة حوادث قتل فيها فلسطينيون، ولذلك لا بد أنها كانت تعرف المخاطر التي تواجهها كصحفية في كل مرة ترتدي فيها سترتها الواقية من الرصاص، ولا بد أن ذلك كان يتطلب شجاعة ما كانت لتتوفر لدي.

بحسب ما ورد في آخر تقرير صادر عن صحفيين بلا حدود، أصيب ما لا يقل عن 144 صحفياً فلسطينياً على يد القوات الإسرائيلية في المناطق المحتلة منذ عام 2018. وخلال نفس الفترة قتل ثلاثة صحفيين بمن فيهم شيرين أبو عاقلة.

قضيت جزءاً من وقتي في المنطقة وأنا أزور المواقع التي سقط فيها فلسطينيون، وأحاول التمحيص في الروايات الفلسطينية والإسرائيلية من أجل أن أفهم بشكل أوضح ما الذي حصل في واقع الأمر. يتوافق مقتل شيرين أبو عاقلة ورد فعل إسرائيل مع نمط ينسجم مع ما توصلت إليه من خلال قيامي بتلك التحقيقات.

لم يكن مفاجئاً لذلك أن أسمع رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت يوجه اللوم مباشرة إلى الفلسطينيين ويحملهم المسؤولية عن موتها، حينما قال إنه “يوجد احتمال كبير في أن يكون مسلحون فلسطينيون، يطلقون النار بشكل عشوائي، هم من تسببوا في موت الصحفية لسوء الحظ”.

تصفية الحسابات

كانت شيرين أبو عاقلة وجهاً مألوفاً ليس فقط لدى العالم العربي الذي يقبل على الأخبار الواردة من فلسطين بنهم، ولكن أيضاً لدى معظم جنود القوات الإسرائيلية الذين “يداهمون” – وهي البديل التلطيفي لكلمة “يهاجمون” – المجتمعات الفلسطينية في جنين.

كان الجنود الذين أطلقوا النار عليها وعلى مجموعة من الصحفيين الفلسطينيين الذين كانوا برفقتها يعلمون أنهم يطلقون النار على صحفيين. ليس هذا فحسب، بل ثمة ما يثبت أن الجنود تعرفوا عليها وتعمدوا استهدافها بالذات.

يحق للفلسطينيين أن يرتابوا في أن الثقب الذي أحدثته الرصاصة مباشرة تحت حافة خوذتها المعدنية لم يكن حدثاً عرضياً احتمال وقوعه واحد في المليون، بل بدا ذلك طلقاً نارياً وجه نحوها بدقة بقصد قتلها – الأمر الذي بسببه راح المسؤولون الفلسطينيون يصفون قتلها بأنه عمل متعمد.

أتذكر أن إسرائيل ما لبثت تسعى منذ وقت طويل لإيجاد ذريعة لوقف التغطية التي تقوم بها الجزيرة، وكثيراً ما كانت تحظر مراسليها أو تمنع عنهم البطاقات الصحفية. وفي شهر مايو/ أيار الماضي قصفت برجاً في غزة يؤوي مكاتب المحطة هناك.

ولذلك فإنه يغلب على الظن أن تكون شيرين أبو عاقلة قد قتلت لأنها من كبار مراسلي قناة الجزيرة في فلسطين، اشتهرت بإعداد تقارير جريئة حول الجرائم الإسرائيلية، ولذلك فالجيش وجنوده يكنون لها الكراهية، ويملكون الأسلحة القاتلة التي بها يصفون الحسابات مع خصومهم.

نيران صديقة

ينبغي أن يعامل بما يستحقه من ازدراء ذلك الاقتراح الإسرائيلي بأن شيرين ربما استهدفت من قبل نيران فلسطينية، أو كانت مجرد ضرر جانبي. فعلى الأقل، بفضل التقنيات الحديثة لتحديد المواقع والصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية، يمكن اليوم تفنيد هذا النوع من محاولات طمس الحقيقة.

تلجأ إسرائيل إلى التحجج بذريعة النيران الصديقة كلما تعذر عليها تبرير قتلها للفلسطينيين من خلال الزعم، المفضل لديها عادة، بأنهم كانوا مسلحين وكانوا “يشكلون خطراً مباشراً على الجنود”.

كان ذلك درساً تعلمته خلال الشهور الأولى من وجودي في المنطقة. وصلت إلى هنا في عام 2001 لإجراء تحقيق صحفي في أحداث الأيام الأولى من الانتفاضة الفلسطينية الثانية، عندما قتل الإسرائيليون 13 متظاهراً. كانت عمليات القتل تلك، على غير ما هو معهود في الأحداث التي تقع داخل المناطق المحتلة عام 1967، قد استهدفت أفراداً من الأقلية الفلسطينية الكبيرة التي تعيش داخل إسرائيل ويعامل أبناؤها كمواطنين من درجة متدنية.

عندما اندلعت تلك الانتفاضة في وقت متأخر من عام 2000، خرج المواطنون الفلسطينيون إلى الشوارع بأعداد غير مسبوقة للاحتجاج على قتل الجيش الإسرائيلي لأبناء وطنهم في المناطق المحتلة.

فقد أسخطهم، وبشكل خاص، ذلك المقطع المصور الذي التقطته قناة تلفزيون فرنسا 2، وظهر فيه أب يسعى يائساً لوقاية ابنه البالغ من العمر اثني عشر عاماً، واسمه محمد الدرة، من وابل من النيران الإسرائيلية عند تقاطع طرق ألجئا إليه. قتل محمد الدرة وأصيب والده جمال بجروح بليغة.

في تلك المناسبة أيضاً، حاولت إسرائيل بكل جهدها طمس حقيقة ما جرى – واستمرت في محاولاتها تلك لسنوات عديدة تالية، فتارة تلوم الفلسطينيين على قتل محمد الدرة، وتارة تدعي أن المشهد كله كان مجرد تمثيلية، أو بأن الغلام كان حياً وأنه لم يصب بسوء. وأصرت إسرائيل على ذلك رغم احتجاجات الفريق التلفزيوني الفرنسي.

يتعرض الأطفال الفلسطينيون للقتل في أماكن كثيرة أخرى داخل الأراضي المحتلة، إلا أن عمليات القتل هذه لا تصور ولا توثق بشاعتها. وحتى عندما كانت تصور، فقد كانت تلتقط بواسطة كاميرات رقمية شخصية من النوع البدائي في ذلك الوقت، فما يكون من أنصار إسرائيل والمدافعين عنها سوى الحط من قيمة تلك الصور والادعاء بأنها من إنتاج باليوود – أي هوليوود الفلسطينية – ويقصدون بذلك أنها ملفقة.

القتل من الخلف

ما مارسه الإسرائيليون من خداع في قضية مقتل محمد الدرة كان انعكاساً لما يجري داخل إسرائيل نفسها. فالشرطة تطلق النار برعونة على المظاهرات الكبيرة التي تنطلق هناك، وذلك على الرغم من أن المتظاهرين غير مسلحين وعلى الرغم من أنهم مواطنون إسرائيليون. لم يقتصر الأمر على قتل 13 فلسطينياً، بل أصيب المئات منهم أيضاً بجراح، بعضها بالغ الخطورة.

في إحدى المرات زحف اليهود الإسرائيليون من الناصرة العليا – بعضهم كانوا مسلحين وبعضهم ضباط شرطة خارج الدوام – على حي فلسطيني مجاور في الناصرة، حيث كنت أقيم. انبعثت الأصوات من مكبرات الصوت في مآذن المساجد تهيب بسكان الناصرة الخروج لحماية منازلهم. تبعت ذلك مواجهة طويلة وشديدة بين الطرفين عند مفرق طرق يفصل بين الحيين.

وقفت الشرطة إلى جانب الغزاة المعتدين، تحت مراقبة قناصة إسرائيليين اعتلوا أسطح المباني المرتفعة في الناصرة العليا وبنادقهم موجهة نحو مواطني الناصرة الذي احتشدوا أسفل منهم.

أصرت الشرطة على أن يغادر الفلسطينيون أولاً. إزاء ما قوبلوا به من سلاح وعتاد، لم تجد الحشود الوافدة من الناصرة مفراً في نهاية المطاف من العودة إلى بيوتهم. عند تلك اللحظة أطلق القناصة النيران، فأصابوا الرجال في ظهورهم. اثنان من الذين أصيبوا في الرأس لقوا حتفهم في الحال.

وشهد عمليات الإعدام تلك المئات من الفلسطينيين المتواجدين هناك، كما شهدها عناصر الشرطة وجميع من شاركوا في الهجوم على الناصرة. بالرغم من كل ذلك، تجاهلت رواية الشرطة الرسمية تسلسل الأحداث، وقالت الشرطة إن مقتل رجلين فلسطينيين بإصابتهما بالرصاص في مؤخرة الرأس يثبت أنهما قتلا على أيدي الفلسطينيين الآخرين وليس من قبل القناصة.

وزعم قادة الشرطة بدون تقديم أي دليل أو إجراء تحقيق جنائي أن المسلحين الفلسطينيين كانوا يختبئون خلف الرجلين وأنهم أطلقوا عليهما النار بالخطأ بينما كانوا يوجهون بنادقهم نحو الشرطة. كان ذلك محض كذب وافتراء، ولكنه ظل الرواية الرسمية التي تمسكت بها السلطات طوال التحقيق القضائي الذي أجري فيما بعد.

ميزان القوة

كما كان عليه الأمر في حالة شيرين أبو عاقلة، فإنه لم يكن مقتل هذين الرجلين – كما ترغب إسرائيل في إقناعنا – مجرد حادث مؤسف نجم عن وجود أبرياء في مرمى النيران المتبادلة.

مثلهما في ذلك مثل شيرين أبو عاقلة، أعدم الرجلان من الناصرة بدم بارد من قبل إسرائيل. كان يقصد بذلك توجيه رسالة صريحة إلى جميع الفلسطينيين حول ميزان القوة بين السكان، وكإنذار لهم بأن عليهم أن يسلموا بالأمر وأن يصمتوا وأن يعرفوا مقامهم.

تحدى أهل الناصرة تلك القيود وخرجوا للذود عن مدينتهم. وهذا ما فعلته بالضبط شيرين أبو عاقلة التي أصرت على الحضور يوماً بعد يوم على مدى عقدين من الزمن لتبلغ عن المظالم والجرائم والفظائع التي يتعرض لها الفلسطينيون تحت نير الاحتلال الإسرائيلي. كلا الفعلين كانا عبارة عن مقاومة سلمية ضد الظلم، وكلاهما اعتبرهما الإسرائيليون مكافئاً للإرهاب.

لن نتمكن بتاتاً من معرفة ما إذا كانت عمليات قتل شيرين أبو عاقلة والرجلين الاثنين من أفعال جندي إسرائيلي أرعن، أو ما إذا كان مطلق النار قد تلقى تعليمات من قبل رؤسائه باستخدام الإعدام وسيلة لتلقين الفلسطينيين الآخرين درساً ما.

ولكننا لا نحتاج لأن نعرف، لأن الأمر يتكرر باستمرار، ولأن إسرائيل مستمرة في الامتناع عن عمل أي شيء للحيلولة دون تكرار ذلك أو لتحديد هوية الجناة ومعاقبتهم.

وذلك أن قتل الفلسطينيين – بشكل غير متوقع، بل وبشكل عشوائي – ينسجم تماماً مع أهداف القوة الغاشمة التي تمارس الاحتلال والتي عقدت العزم على حرمان الفلسطينيين من أي إحساس بالأمن والسلامة أو الحياة المعتادة.. قوة احتلال عازمة على إرهابهم وحملهم شيئاً فشيئاً على الهجرة من وطنهم.

تلقين الدرس

كانت شيرين أبو عاقلة واحدة من عدد ضئيل من الفلسطينيين من داخل الأراضي المحتلة الذين يحملون الجنسية الأمريكية. ولهذا السبب، وأيضاً بسبب شهرتها في العالم العربي، لم يجد المسؤولون في واشنطن بداً من الإعراب عن حزنهم على مقتلها وإصدار بيان قصدوه متوازناً طالبوا فيه بإجراء “تحقيق مفصل”.

ولكن جواز سفر شيرين أبو عاقلة لم يكن أكثر نفعاً لها فينقذها من الانتقام الإسرائيلي مما كان جواز سفر راشيل كوري لها، المواطنة الأمريكية التي قتلت في عام 2003 على يد سائق جرافة إسرائيلي بينما كانت تسعى للحيلولة بينه وبين هدم منازل الفلسطينيين في غزة. ولم يحل جواز سفر توم هيرندال البريطاني دون أن تطلق عليه النيران في رأسه بينما كان يحاول حماية الأطفال الفلسطينيين في غزة من وابل من النيران الإسرائيلية. ولا منع الجواز البريطاني الذي كان يحمله منتج الأفلام جيمز ميلر جندياً إسرائيلياً من إعدامه في عام 2003 داخل قطاع غزة، بينما كان يوثق العدوان الإسرائيلي على هذا الجيب الصغير المزدحم بالسكان.

كان هؤلاء جميعاً يعتبرون منحازين إلى جانب الفلسطينيين إذ وقفوا شهود عيان ورفضوا التزام الصمت إزاء المعاناة التي يتعرض لها الفلسطينيون – ولهذا السبب كان لا بد من أن يلقنوا درساً هم وكل من يفكر مثلهم.

وقد آتى ذلك أكله بالفعل. فسرعان ما غابت جموع المتطوعين الأجانب الذين كانوا يأتون إلى فلسطين لتوثيق الفظائع التي يرتكبها الإسرائيليون وكانوا عند اللزوم يشكلون دروعاً بشرية لحماية الفلسطينيين من الجيش الإسرائيلي الذي يستمتع جنوده بإطلاق النار. ولا أدل على ذلك من أن إسرائيل نددت بحركة التضامن العالمية مع الفلسطينيين واعتبرتها داعمة للإرهاب. فبالنظر إلى التهديد المباشر الذي يمكن أن يتعرضوا له فقد تناقص عدد المتطوعين بالتدريج وجف النبع الذي كانوا يردون منه.

لقد حققت الإعدامات الغاية منها، سواء كان الذي ينفذها جندي أرعن أو كانت تنفذ بأوامر عليا داخل الجيش.

سوء التقدير

كنت الصحفي الوحيد الذي أجرى تحقيقاً حول أول واحدة من سلسلة تلك الإعدامات التي نفذت بحق أجانب في الأيام الأولى من الانتفاضة الثانية. ففي أواخر عام 2002 قتل قناص إسرائيلي إيان هوك، البريطاني الذي كان يعمل لصالح الأونروا، وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، في جنين – نفس المدينة شمال الضفة الغربية التي شهدت إعدام شيرين أبو عاقله بعد ذلك بعشرين عاماً.

وكما في حالة شيرين أبو عاقلة، صممت الرواية الإسرائيلية لصرف الانتباه بعيداً عما كان بكل وضوح عملية إعدام إسرائيلية باتجاه توجيه اللوم للفلسطينيين وتحميلهم المسؤولية.

والذي حصل هو أنه أثناء “مداهمة” أخرى من المداهمات الإسرائيلية لجنين، لاذ هوك ومعه مجموعة من الأطفال الفلسطينيين الذين كانوا تلاميذ في مدرسة تابعة للأنروا داخل المجتمع المحكم الإغلاق.
كانت الرواية الإسرائيلية عبارة عن مجموعة من الافتراءات والأكاذيب المكشوفة وسهلة التفنيد. ومع ذلك، لم يعبأ صحفي أجنبي واحد سواي بالتوجه إلى الموقع ليتفحصه. ونظراً لمحدودية الفرص المتاحة آنذاك، فقد بذلت جهداً مضنياً في العثور على وسيلة إعلام لديها الاستعداد لنشر التحقيق الذي أعددته.

زعمت إسرائيل أن قناصها الذي كان يشرف على المجمع من نافذة في الطابق الثالث رأى فلسطينيين يتسللون إلى المبنى. وبحسب تلك الرواية، فقد التبس الأمر على القناص الذي حسب هوك، طويل القامة صاحب البشرة الفاتحة والشعر الأحمر والبالغ من العمر أربعة وخمسين عاماً، مسلحاً فلسطينياً، وذلك على الرغم من أن القناص كان يراقب المسؤول الأممي عبر التلسكوب لمدة من الزمن تربو على الساعة.

ولدعم روايتها غير المعقولة زعمت إسرائيل كذلك أن القناص ظن خطأ أن الهاتف الجوال الذي كان بيد هوك كان قنبلة يدوية، وكان يخشى أن يقوم بإلقائها خارج المجمع حيث يتواجد الجنود الإسرائيليون في الشارع في الخارج.

ولكن، وكما لا بد أن القناص علم ذلك، فإنه يستحيل أن يكون الأمر كذلك، فالمجمع كان محكم الإغلاق بما هو محاط به من جدران وسياجات، لدرجة أن هوك لو كان بيده قنبلة وأراد أن يلقي بها نحو الشارع لارتدت إليه مباشرة. أي، لو كان الذي بيده قنبلة يدوية لفجر بها نفسه.

والحقيقة هي أن هوك أساء التقدير. فنظراً لأنه كان محاطاً بالقوات الإسرائيلية وبالمقاتلين الفلسطينيين المختبئين في الممرات الجانبية بالجوار، وبعد أن أثار حفيظته رفض الإسرائيليين السماح لموظفيه وللأطفال بالخروج الآمن، فقد قام بفتح البوابة وحاول التوسل إلى الجنود المتواجدين في الخارج.

وما أن فعل ذلك حتى برز مقاتل فلسطيني من الممر المحاذي للمكان وأطلق النار باتجاه عربة إسرائيلية مصفحة. لم يصب أحد، وعاد هوك أدراجه إلى داخل المجتمع وأحكم إغلاقه ثانية. إلا أن الجنود الإسرائيليين في الخارج اشتاطوا غضباً على المسؤول الأممي، فقرر أحدهم استخدام رصاصة لتصفية الحساب معه وأطلقها على رأسه.

سوء النية

لم تجد الأمم المتحدة مفراً من إجراء تحقيق مفصل في مقتل هوك. ولكن من غير المحتمل أن يحظى أقارب شيرين أبو عاقلة وأحباؤها بنفس الفرصة. بل لقد داهمت الشرطة الإسرائيلية منزلها في القدس الشرقية في واضحة النهار وقطعت على العائلة مجلس عزائها وطالبتها بإنزال العلم الفلسطيني عن البيت. وبذلك فقد بعثت لهم برسالة أخرى.

وها هي إسرائيل تصر على الحصول على نتائج تحقيق الطب الشرعي، كما لو أن القاتل من حقه أن يحقق فيما ارتكبه هو نفسه من جرم.

ولكن في الحقيقة حتى في قضية هوك، فقد انتهى تحقيق الأمم المتحدة على الرف، وذلك أن اتهام إسرائيل بإعدام مسؤول في الأمم المتحدة كان سيفرض على المنظمة الدولية الدخول في مواجهة خطيرة مع إسرائيل ومع الولايات المتحدة، فتقرر التزام الصمت بشأن جريمة قتل هوك ولم يحاسب أحد عليها.

لا يتوقع أفضل من ذلك في حالة شيرين أبو عاقلة، حتى وإن علت بعض الأصوات مطالبة بالتحقيق، فسوف تلوم إسرائيل السلطة الفلسطينية على عدم تعاونها، وقد لامتها على ذلك بالفعل. أما واشنطن فسوف تعرب بشكل فاتر عن قلقها، ولكنها لن تفعل شيئاً. ولسوف تقوم الولايات المتحدة من وراء الكواليس بمساعدة إسرائيل في قطع الطريق على أي مسعى لإجراء تحقيق ذي معنى.

ليس المقصود بالتصريحات الروتينية الأمريكية والأوروبية التي تعرب عن “الحزن” تسليط الضوء على ما جرى، فمن شأن ذلك أن يسبب الحرج لحليف استراتيجي يحتاجونه في تعزيز النفوذ الغربي في منطقة الشرق الأوسط الغنية بالنفط.

بل إن الهدف من تلك التصريحات الخجولة الصادرة عن العواصم الغربية هو التنفيس والإرباك. حيث يقصد منها تحقيق ما يأتي: تبريد الأجواء لقطع الطريق على أي رد فعل، والتلميح بالحيادية الغربية، وحفظ ماء وجه الأنظمة العربية المتواطئة، والإيحاء بأن ثمة إجراءات قانونية تلتزم إسرائيل بها، وتخريب المساعي الفلسطينية ومساعي مجتمع حقوق الإنسان لإحالة أمر جرائم الحرب تلك إلى المحاكم الدولية وبشكل خاص إلى المحكمة في لاهاي.

والحقيقة هي أن الاحتلال المستمر منذ عقود لا يمكنه أن يبقى على قيد الحياة إلا بالفجور، وفي بعض الأوقات من خلال أعمال إرهاب يتم تعييرها بعناية لإبقاء ضحايا الاحتلال في حالة من الخوف والاستسلام. وعندما يكون هذا الاحتلال برعاية القوى الدولية الرئيسية فإن من يشرفون على منظومة الرعب يتصرفون وهم في حصانة تامة من المساءلة.

قد تكون شيرين أبو عاقلة الضحية الأخيرة، لكن هذه الإعدامات ستستمر طالما أن إسرائيل وجنودها في مأمن من المحاسبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى