السياسة السيبرانية كقضية عالمية
خالد محمود

أصبح من الواضح بحلول منتصف العقد الأول من القرن 21 أن “الفضاء السيبراني” الذي تم إنشاؤه عبر شبكة الإنترنت له تأثيرات هائلة في الديناميكيات والأنماط الأوسع للسياسة الدولية، وبات مفهوم السياسة السيبرانية يشكّل أحد مجالات البحث الأكاديمي، متجاوزا الضجيج لتحليل محتوى النقاش السياسي على شبكة الإنترنت ومعرفة كيفية استخدامها وتبعاتها على كثير من القضايا والبنى التحتية لمختلف دول العالم القائم على تكنولوجيا تقنية المعلومات وتقنية الاتصالات، في كافة المجالات الصناعية والعسكرية والأمنية والطاقة والمياه والصحة ومنظومة النقل وقطاع البنوك والمؤسسات المالية والحكومية، حتى أضحى الطيف السيبراني جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي، ودخل في تغيير شكل الحروب وتقنياتها وأساليبها بسبب تغير طبيعة تهديداته وإلحاق الضرر بالمؤسسات والمراكز الحيوية والإستراتيجية للدول.

ربما تكون أستاذة العلاقات الدولية والسياسة السيبرانية نازلي شكري من أوائل من لفتوا الانتباه إلى موضوع “السياسة السيبرانية” كمصطلح حديث يشير إلى اقتران العمليات أو الحقائق المتعلقة بالتفاعلات السياسية المتعلقة بتحديد من يحصل على ماذا ومتى وكيف، تلك التي تم تمكينها من خلال استخدامات الفضاء “السيبراني” كميدان جديد في العلاقات الدولية.

الفضاء السيبراني يؤثر في مختلف مجالات الحياة ومنها المجال السياسي حيث يسهم -عبر أدواته المختلفة- في إعادة رسم المشهد السياسي المحلي والعالمي، ويعمل على إعادة تشكيل الوعي والإدراك السياسي للأفراد والمجتمعات

بالتالي؛ فإن الفهم العلمي العام لمعنى “السياسة” في الفضاء السيبراني يقوم على أخذ حساب صريح لهذا الفضاء في تحليل السياسة العالمية، والأنماط الملحوظة للوصول والمشاركة السيبرانية في جميع أنحاء العالم، وكذلك الأنواع الجديدة من النزاعات والخلافات الدولية التي تنشأ من الأنشطة في العالم الافتراضي، وليس انتهاءً بالضرورات الجديدة الطارئة التي شكلها ظهور شبكة الإنترنت في تفسير نظريات العلاقات الدولية وأدواتها المنهجية.

لا شك أن السياسة السيبرانية أضحت اليوم مصطلحا يستخدم على نطاق واسع من قبل الأكاديميين والباحثين المهتمين بتحليل اتساع نطاق تأثير الإنترنت في الأنشطة السياسية، وأصبح البحث في هذا الجانب يأخذ زخما أكاديميا مهما لتطوير التخطيط الإستراتيجي والقيادة في ساحات الإنترنت والبيانات الضخمة، إضافة إلى النقاش الدائر حول تأثير التحديات الإلكترونية على الحكومات والمنظمات والمجتمعات بشكل عام.

ما تقدم يؤكد أن السياسية السيبرانية أصبحت خلال العقدين الماضيين إحدى أهم القضايا العامة العالمية، وغدت أبعد من مجرد مسألة فنية في السياسات الدولية أو قضية بحث نظرية؛ إذ بات “الطيف السيبراني” يؤثر في الديمقراطيات والدكتاتوريات والعمليات السياسية والتفاعلات بين الدولة والمجتمع والأسواق وصنع السياسات على جميع المستويات، ناهيكم عن تأثيره في مروحة واسعة ومتنوعة من القضايا السياسية على شاكلة: السيادة والانتخابات والحملات والديمقراطية والاحتجاج والقمع والحرب والسياسة الأمنية ومكافحة الإرهاب والتعاون والصراع الدولي وسياسة الهجرة والشتات والهوية والمواطنة.

وبالتالي فإن هناك أسئلة بدأت تفرض نفسها في هذا السياق من قبيل: كيف تتحكم السياسة في الفضاء السيبراني؟ وكيف يؤثر هذا الفضاء على السياسة؟ وما مدى استخدام الفضاء السيبراني للنشاط السياسي؟ وكيف تغير التكنولوجيا الرقمية السياسات الديمقراطية؟ وكيف تؤثر على السياسة والعلاقات الدولية؟ وهل أصبح الأمن السيبراني بالفعل قضية سياسية؟ وهل ستتأثر جميع نماذج الحوكمة بالفضاء السيبراني؟ وهل ستؤثر الديمقراطية الإلكترونية على نماذج الحكم الأخرى عبر الدول؟

 

وغيرها العديد من الأسئلة التي تطرح نفسها في ظل أفق يلوح بفضل اتساع الفضاء السيبراني الذي حتّم إعادة تعريف ما هو عالمي وما هو إنساني وما هو قيمي وأخلاقي؛ فجولة المراجعات التي شهدتها العلوم الاجتماعية والإنسانية المختلفة مع دخول البشرية الثورة الصناعية الرابعة لم تعد -في ما يبدو- كافية للتعبير عن الواقع المعاصر، وسرعان ما سيصبح علينا أن نخوض جولة جديدة من المراجعة على صعيد العلاقات الدولية بدخول البشرية عصر السيبرانية السياسية.

صحيحٌ أن الحديث عن التحول السيبراني لا يحتاج إلى الكثير من المقدمات لتأكيد أهميته وتأثيره الكبير في مستقبل الدول والمجتمعات والأفراد في كل المجتمعات الإنسانية؛ فالبشرية تعيش في ظل تسارع معلوماتي وتكنولوجي قائم على نُظُم الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والبيانات العملاقة كأحد محركات الثورة الصناعية الرابعة، فقد سُطرت الكثير من الدراسات والمقالات، ونظمت الكثير من الندوات والمؤتمرات على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية للحديث عن هذه القضايا وآثارها المستقبلية، كما أن آثار التطور التكنولوجي والاتجاه نحو الرقمنة والتنظيم السيبراني على كثير من التفاعلات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية باتت ملموسة ومباشرة يستشعرها المواطنون في كل دول العالم تقريبا من دون الحاجة لكثير من الشرح والتوضيح بشأن ماهيتها.

وبالتالي فإن ما يمكن قوله هنا إن الفضاء السيبراني يؤثر في مختلف مجالات الحياة، ومنها المجال السياسي، حيث يسهم -عبر أدواته المختلفة- في إعادة رسم المشهد السياسي المحلي والعالمي، ويعمل على إعادة تشكيل الوعي والإدراك السياسي للأفراد والمجتمعات والدول بصورة مغايرة عما كانت عليه قبل عقود، كما نجد تصورات وبنى جديدة يتم تأسيسها في العلاقات الدولية حيث لم تعد السياسة تعيش في عالم الواقعي المحدود، بل أصبح للواقعية واللامحدودية التي يشكلها الفضاء السيبراني حضورها المؤثر في المجال السياسي. أضف إلى ذلك أن السياسة السيبرانية خلقت اليوم عالما يمكن فيه على ما يبدو أن يتعرض كل شيء للخطر؛ من المستشفيات والقطارات والسدود والطاقة والمياه إلى البنوك… إذ أدى الانتشار الواسع للفضاء الرقمي والأجهزة والبيانات والأدوات المقترنة بالطبيعة المرنة ومتعددة الوكالات للاستغلال السيبراني إلى استهداف قطاعات خارج الحدود التاريخية للصراع.

وتأسيسا على ذلك، فإن المظهر الأساسي لتسييس الفضاء السيبراني هو كونه أصبح مضمون مفاوضات بين الدول والمنظمات الدولية ذات الصلة التي بدأت تهتم بشكل تدريجي بالمشكلة السيبرانية. لكن رغم ما تطرحه وتتيحه التكنولوجيا السيبرانية من فرص لا نهائية للتقدم والتطور وما تنطوي عليه من مخاطر وتحديات عالمية استثنائية، فإن المبادئ والقواعد الدولية التي تحكم مسار استخدامها ما زالت موضع تشكيك وتتطور بإيقاع بطيء؛ لذا فإن معالجة السياسة السيبرانية تكمن في إدارة ناجعة لمشهد حوكمة الإنترنت وبذل جهد دولي شامل بمسؤولية مشتركة عبر الأنظمة البيئية لجميع الفواعل واللاعبين والموردين في المشهد السيبراني الذي تتمدد فيه معظم -إن لم نقل- كل مجالات الحياة الواقعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى