عودة “داعش”
عبدالله السويجي

افتتح تنظيم «داعش» العام 2021 بعملية انتحارية مزدوجة في ساحة الطيران في بغداد، أودت بحياة 32 شخصاً وخلفت أكثر من 100 جريح، ولا شك أن للتوقيت رسالة قوية، فهو إعلان كتبه التنظيم بدم العراقيين الأبرياء، بعودته لعملياته الإرهابية انتقاماً لهزيمته في العام 2017، وهو رسالة لمؤيديه وخلاياه النائمة باستمرار وجوده وتغلغله في العراق ومناطق أخرى في العالم العربي، وهو إثبات لمموليه بقدرته على شن هجمات مؤذية ومؤلمة، خاصة أنه ينتشر في أماكن كثيرة.

فقد أكدت إدارة مكافحة الإرهاب في بغداد أن للتنظيم خلايا في باب المعظّم في محافظة بغداد، وعامرية الفلوجة في محافظة الأنبار، ومنطقة دور الفيلق في محافظة كركوك، وقد تبنت خلايا التنظيم في شهر أغسطس (آب) 2020 حوالي 100 هجوم في جميع أنحاء العراق، وفق تقرير صادر عن اتحاد أبحاث وتحليل الإرهاب (TRAC) الذي صدر في شهر سبتمبر (أيلول) 2020.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

أما في سوريا، ووفق معلومات صحفية نُشرت في 22 أبريل 2020، فينتشر تنظيم «داعش» في مناطق واسعة في البادية السورية مثل مناطق غرب الفرات، في البوادي الممتدة بين مثلث محافظات الوسط والشرق السوري.. حمص والرقة ودير الزور، وبؤر للتنظيم في بادية محافظة السويداء الشرقية. ويقدّر عدد مقاتلي التنظيم في تلك البوادي بقرابة 1800 مقاتل يُعرفون بقطّاع البادية، تضاف إليهم مجموعات التنظيم التي انسحبت من الحدود السورية – اللبنانية ومن ضواحي دمشق بعد اتفاقات الإخلاء بين مكونات التنظيم أواخر عام 2017، حيث يشن هجمات ضد القوات السورية، التي خسرت خلال شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان) من العام 2020 قرابة 150 جندياً بين قتيل وجريح، وفق تقارير صحفية.

هنالك أسئلة بسيطة كثيرة تطرح نفسها بشأن عودة تنظيم «داعش»، والسؤال الأهم هو: كيف عاد؟ الإجابة البسيطة تقول إنه حين تتوقف عن محاربة عدوك فإنه يعود ويظهر أقوى مما كان في أوقات اشتباكك معه. فالحملات الإعلامية ضد التنظيم انحسرت بنسبة كبيرة، إضافة إلى البرامج التوعوية بخطورة التطرّف وانتشاره، ما جعل التنظيم يتغلغل مرة أخرى في مناطقه التي كان يسيطر عليها مثل القرى الحدودية والصحراوية.

وهناك سبب آخر استغله التنظيم يتمثل في انشغال الحكومات، ومن بينها الحكومتان العراقية والسورية، بقضايا سياسية داخلية، كأن ينشغل العراق بالانتخابات والتظاهرات المناوئة، وتنشغل سوريا بالأزمة الاقتصادية الخانقة، إضافة إلى الفساد الذي يعمّ في الدولتين. وهناك سبب آخر يتعلق بتغيير التنظيم إستراتيجيته، ولا أعلم إن كانت قيادات الجيوش قد أدركت هذا الأمر، فعدم سيطرة «داعش» على مدن وقرى وأحياء أو أي بقعة جغرافية، لا يعني أن هذه الجغرافيا أو تلك باتت نظيفة منه، وقد يكون الإيهام بعدم وجود التنظيم نتيجة انحسار سيطرته على الجغرافيا، هو الخدعة الأكبر التي قام بها، فقد تحوّل من جيش متمركز في أماكن معروفة وسهلة للقصف، إلى عصابات منتشرة في الصحارى والوديان، وتتخفّى في المدن والأرياف. أما السبب الأخير فيكمن في وباء كورونا الذي اجتاح الدول، ومنها سوريا والعراق، وفترات الإقفال الكثيرة، ما غيّب عيون رجال الأمن عن ملاحقة خلايا التنظيم.

عودة «داعش» تنذر بعودة الأمور إلى سابق عهدها في العراق وسوريا ومناطق أخرى، وقد خصّصنا العراق وسوريا لأنهما الدولتان اللتان خبرتا همجية التنظيم واحتلاله مناطق واسعة، لكن عودته ستكون أشرس مما كان عليه قبل العام 2017، لأنه غير محصور في جغرافيا محدّدة، وسيلجأ إلى العمليات الانتحارية، كما حدث يوم الخميس الماضي.

إن محاربة التطرّف لا تكون بالسلاح وحده، وإنما بالوعي الديني والمجتمعي والوطني، وبتحسين الظروف الاقتصادية للناس، لكن سارت الرياح بما لا تشتهي السفن، فأدت كورونا إلى زيادة إفقار الناس، إلى جانب عدم قيام الحكومات بالجهد التوعوي المطلوب.. فهل نشهد عمليات دامية أكثر في الأيام القادمة؟ وهل يعود التنظيم إلى إستراتيجيته القديمة في احتلال الجغرافيا أم يكتفي بإلحاق الأذى بالحكومات والشعوب، ويؤجل قضية إحياء الخلافة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى