عمران الخطيب
لا يجوز، بأي حال من الأحوال، حرمان جزء أساسي من الشعب الفلسطيني من حقه في عضوية المجلس الوطني الفلسطيني، تحت أي ذريعة تتعلق بحمل الجنسية الأردنية أو الحصول على الرقم الوطني الأردني. فالجنسية التي يحملها الفلسطيني في بلد اللجوء لا تلغي انتماءه الوطني، ولا تسقط حقه في المشاركة في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، التي تمثل الشعب الفلسطيني بمختلف أماكن وجوده.
والقول إن حمل الفلسطيني للجنسية الأردنية يمنعه من عضوية المجلس الوطني الفلسطيني يثير العديد من علامات الاستفهام، خصوصًا أن التجربة التاريخية للمجلس الوطني ومنظمة التحرير الفلسطينية تقدم أمثلة واضحة على مشاركة شخصيات فلسطينية تحمل جنسيات عربية وأجنبية في مؤسسات منظمة التحرير.
ومن الأمثلة على ذلك الكاتب الصحفي الأردني حمادة فراعنة، وهو من أصول فلسطينية ومن أبناء اللاجئين في الأردن ومخيماته، وعضو في المجلس الوطني الفلسطيني. كما أن عضويته في المجلس الوطني الفلسطيني لم تمنعه من ممارسة حقه السياسي في الأردن، بما في ذلك الترشح للانتخابات البرلمانية الأردنية.
وهناك أيضًا شخصيات أردنية من أصول فلسطينية شاركت في لجان الميثاق الوطني واللجان المختلفة، وكان من بينها أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس المركزي الفلسطيني، وهو ما يؤكد أن الانتماء الوطني الفلسطيني لا يتعارض بالضرورة مع المواطنة والجنسية في الدولة التي يعيش فيها الفلسطيني.
الأردن ومنظمة التحرير.. تجربة تاريخية
وتبرز في هذا السياق العلاقة التاريخية بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، وخاصة عندما وافق الراحل الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، على عقد دورة للمجلس الوطني الفلسطيني في العاصمة عمّان عام 1984، في مرحلة سياسية بالغة الحساسية، بهدف الحفاظ على النصاب القانوني لمنظمة التحرير الفلسطينية وتعزيز مكانتها باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني.
وقد انعقد المجلس الوطني الفلسطيني في عمّان بحضور الراحل الملك الحسين بن طلال، والرئيس الراحل ياسر عرفات، وبمشاركة القيادات الفلسطينية وشخصيات فلسطينية تحمل الجنسية الأردنية، ومن أبناء المخيمات الفلسطينية في الأردن. كما قدم الأردن التسهيلات اللازمة لإنجاح انعقاد المجلس، في إطار حرصه على الحفاظ على الشرعية الفلسطينية ودعم منظمة التحرير الفلسطينية.
كما شهدت العلاقة الأردنية الفلسطينية محطات تاريخية عديدة، من بينها انعقاد أول مجلس وطني فلسطيني في مدينة القدس عام 1964 وقد افتتاح الجلسة الراحل الملك الحسين بن طلال، في سياق تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية المؤسسات الوطنية الفلسطينية، وهي محطات تؤكد أن المشاركة في المؤسسات الوطنية الفلسطينية ارتبطت تاريخيًا بالانتماء إلى الشعب الفلسطيني، وليس بجواز السفر أو الجنسية التي يحملها الفلسطيني.
وعلى مدار دورات المجلس الوطني الفلسطيني، جرى في الأردن اعتماد آلية التوافق في اختيار عدد من الشخصيات الفلسطينية من اللاجئين والنازحين المقيمين في المملكة، بدلًا من إجراء انتخابات مباشرة لأعضاء المجلس الوطني في الأردن. وبالتالي، فإن التعامل مع عضوية الفلسطينيين المقيمين في الأردن يجب أن يستند إلى هذه التجربة التاريخية وإلى مبدأ التوافق الوطني، وليس إلى تفسيرات انتقائية.
الجنسية لا ينبغي أن تكون معيارًا للإقصاء
وللتوضيح، فإن عضوية المجلس الوطني الفلسطيني لم تقتصر على فلسطينيين يحملون وثائق أو جنسيات فلسطينية فقط، إذ ضمت مؤسسات منظمة التحرير والمجلس الوطني والمجلس المركزي شخصيات فلسطينية تحمل جنسيات عربية وأجنبية مختلفة، ولم تكن الجنسية الأجنبية للفلسطيني مانعًا من المشاركة في المؤسسات الوطنية الفلسطينية.
وعليه، فإن استخدام الجنسية كمعيار لإقصاء فلسطيني من عضوية المجلس الوطني الفلسطيني يحتاج إلى مراجعة قانونية وسياسية ووطنية واضحة، خصوصًا أن الفلسطينيين موزعون في مختلف دول العالم، ويحمل كثير منهم جنسيات الدول التي يقيمون فيها، دون أن يعني ذلك التخلي عن هويتهم وانتمائهم الوطني الفلسطيني.
المطلوب حوار وطني شامل
أما فيما يتعلق بآلية اختيار أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، فإن المرحلة الحالية تتطلب تشكيل لجنة وطنية متوافق عليها، تضم مختلف القوى والفصائل والشخصيات الوطنية، ولا يجوز أن تنفرد جهة أو فصيل واحد بوضع معايير العضوية أو تحديد من يحق له المشاركة في المجلس الوطني.
والأهم من ذلك أن التحضير لأي انتخابات أو إعادة تشكيل للمجلس الوطني الفلسطيني يجب أن يسبقه حوار وطني فلسطيني شامل، بمشاركة الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية والشخصيات الوطنية المستقلة، بهدف الوصول إلى توافق حول تشكيل المجلس، وآليات تمثيل الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم، والبرنامج السياسي للمرحلة المقبلة.
فالشعب الفلسطيني يمر بمرحلة تاريخية شديدة الخطورة، في ظل الحرب على قطاع غزة وما خلّفته من كارثة إنسانية واسعة، إلى جانب ما يجري في الضفة الغربية والقدس من استيطان وتهجير واعتداءات، فضلًا عن مخططات التهجير القسري أو الطوعي للفلسطينيين.
وفي ظل هذه التحديات، فإن الأولوية يجب أن تكون لتوحيد الصف الفلسطيني وتعزيز المؤسسات الوطنية، وليس فتح أبواب جديدة للخلاف والانقسام.
منظمة التحرير بيت الفلسطينيين جميعًا
لا يجوز لفصيل أو جهة منفردة أن تنفرد بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني أو إعادة تشكيل مؤسسات منظمة التحرير بعيدًا عن التوافق الوطني. فالمجلس الوطني الفلسطيني يجب أن يكون عنوانًا لتمثيل الشعب الفلسطيني بكل مكوناته، في الوطن والشتات، وأن يعكس التنوع السياسي والجغرافي والاجتماعي للشعب الفلسطيني.
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن التوافق الوطني هو الطريق الأكثر قدرة على حماية المؤسسات الوطنية والحفاظ على وحدة القرار الفلسطيني.
ومن هنا، فإن أي نقاش حول مستقبل المجلس الوطني الفلسطيني يجب أن ينطلق من قاعدة أساسية: منظمة التحرير الفلسطينية هي الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني، والمجلس الوطني الفلسطيني يجب أن يبقى ممثلًا لجميع الفلسطينيين، دون إقصاء أو تمييز بسبب مكان الإقامة أو الجنسية التي يحملها الفلسطيني.
فالشعب الفلسطيني يخوض نضالًا باعتباره حركة تحرر وطني، وما زال جزء كبير منه يعيش تحت الاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي يتطلب توحيد الجهود وتعزيز المشاركة الوطنية، لا وضع قيود جديدة أمام مشاركة الفلسطينيين في مؤسساتهم الوطنية.
عمران الخطيب