بقلم الدكتور صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع
لم يكن الاختلاف بين الرئيس الراحل ياسر عرفات والرئيس محمود عباس مجرد اختلاف في الأسلوب السياسي أو في إدارة الصراع مع إسرائيل، بل كان يعكس تبايناً عميقاً في فلسفة العمل الوطني الفلسطيني، وفي فهم العلاقة بين الثورة والتفاوض، وبين الشرعية التاريخية والاعتراف الدولي، وبين امتلاك القرار الوطني والقدرة على تحويله إلى دولة ذات سيادة.
لقد جسّد ياسر عرفات مرحلة الثورة الفلسطينية التي جعلت من الهوية الوطنية والتمثيل السياسي والكفاح من أجل التحرر ركائز أساسية للوجود الفلسطيني. كان أبو عمار يرى أن الدولة لا تنفصل عن موازين القوى التي ينتجها النضال الوطني، وأن الاعتراف بالحقوق الفلسطينية لا يمكن أن يكون بديلاً عن امتلاك الشعب إرادته الوطنية المستقلة. وقد جمع في تجربته بين البندقية والسياسة، وبين الشرعية الثورية والسعي إلى الاعتراف الدولي بفلسطين.
أما محمود عباس، فقد تبنّى مساراً سياسياً جعل المفاوضات والتسوية والاعتراف الدولي أدوات مركزية لتحقيق الدولة الفلسطينية. وانطلق هذا المسار من فرضية مفادها أن الانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة يقتضي إعادة تنظيم أدوات النضال، وتعزيز العمل الدبلوماسي، وبناء المؤسسات، وتقديم المشروع الفلسطيني بوصفه مشروعاً سياسياً قابلاً للتحقق عبر التفاوض.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه تاريخياً وفلسفياً هو: إذا كان النهج التفاوضي قد قُدّم باعتباره الطريق الأكثر واقعية لإقامة الدولة الفلسطينية، فلماذا لم تتحول سنوات التفاوض الطويلة إلى دولة مستقلة ذات سيادة؟
أولاً: هل كان أبو عمار عائقاً أمام الدولة؟
إن قراءة التحول من عرفات إلى عباس تقتضي الحذر من اختزال التاريخ في رواية شخصية أو في اتهام سياسي مباشر. فقد طُرحت في مراحل مختلفة مقاربات ربطت فرص إقامة الدولة بتغيير القيادة الفلسطينية، وبالانتقال من نهج عرفات إلى نهج أكثر اعتماداً على التفاوض والدبلوماسية. غير أن إثبات أن عرفات كان، في ذاته، عائقاً أمام إقامة الدولة يحتاج إلى أدلة تاريخية وسياسية محددة، ولا يجوز اعتباره حقيقة ثابتة لمجرد اختلاف النهجين.
فأبو عمار لم يكن مجرد قائد ثوري، بل كان أيضاً طرفاً في مسار أوسلو، وشارك في تأسيس مرحلة الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. وهذا يعني أن تجربته لم تكن مواجهة بين الثورة والتفاوض بقدر ما كانت محاولة للجمع بينهما، وإن بقيت هذه المحاولة محكومة بتناقضات عميقة.
ومن هنا، فإن المسألة الأكثر أهمية ليست ما إذا كان عرفات قد أعاق الدولة، بل ما إذا كانت البيئة السياسية التي فاوض فيها الفلسطينيون تسمح أصلاً بتحويل الاتفاقات إلى سيادة وطنية حقيقية.
لقد واجه عرفات حصاراً سياسياً وعسكرياً انتهى بحصاره في المقاطعة، ثم وفاته عام 2004. ومع ذلك، لا يمكن تفسير إخفاق المشروع الوطني بعامل واحد، كما لا يمكن الجزم بأن بقاءه في القيادة كان سيؤدي حتماً إلى قيام الدولة. فالتاريخ لا يُقرأ بالافتراضات وحدها، وإنما بتحليل القوى والخيارات والنتائج.
ثانياً: القطيعة الإبستيمولوجية بين الثورة والتفاوض
من منظور فلسفي، يمكن فهم الانتقال من عرفات إلى عباس باعتباره تحولاً في إنتاج المعرفة السياسية الفلسطينية: كيف يفهم الفلسطينيون الصراع؟ وما الأدوات التي يعتبرونها مشروعة وفعّالة؟ وكيف يتصورون الطريق إلى التحرر والاستقلال؟
في التجربة العرفاتية، تشكّلت الشرعية حول الثورة والهوية الوطنية والتمثيل التاريخي، مع الانفتاح على الدبلوماسية والتسويات. أما في التجربة العباسية، فقد تعاظمت مكانة المفاوضات والاعتراف الدولي وبناء المؤسسات باعتبارها وسائل لتحقيق الاستقلال.
لكن هذا التحول لم يكن قطيعة كاملة؛ إذ ورث عباس منظمة التحرير وبرنامجها السياسي والتزاماتها التفاوضية، وواصل العمل ضمن الإطار الذي تشكّل في المرحلة السابقة، مع اختلاف في الأولويات والأدوات.
وهنا تظهر المفارقة الإبستيمولوجية: لقد تغيّرت الوسائل التي اعتُبرت أكثر واقعية لإقامة الدولة، لكن الواقع الاستعماري على الأرض لم يتغير بالقدر الذي يسمح بتحقيق الغاية المنشودة.
فالمعرفة السياسية، مهما بلغت درجة عقلانيتها، لا تنتج السيادة بمجرد سلامة التصور؛ إنها تحتاج إلى قوة تحمي نتائجها، وإلى توازن يسمح بتحويل الاتفاق السياسي إلى واقع قانوني ومادي.
ثالثاً: لماذا لم تتحقق الدولة في زمن أبي مازن؟
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال شخص الرئيس وحده، بل عبر تحليل مجموعة من العوامل المتداخلة:
1. اختلال ميزان القوى: دخل الفلسطينيون المفاوضات في ظل تفاوت كبير في القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية، الأمر الذي منح إسرائيل قدرة واسعة على التحكم في شروط العملية التفاوضية ونتائجها.
2. الاستيطان وتغيير الواقع الجغرافي: استمر التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، وتقطّع التواصل الجغرافي الفلسطيني، وبقيت السيطرة على الحدود والموارد ومساحات واسعة من الأرض خارج سلطة الفلسطينيين. وهكذا اتسعت الفجوة بين فكرة الدولة في الوثائق السياسية وإمكانية تجسيدها على الأرض.
3. غياب الإرادة الدولية القادرة على فرض الحل: لم يتحول الاعتراف الدولي بحق الفلسطينيين في تقرير المصير إلى ضغط ملزم يضمن إنهاء الاحتلال. فالاعتراف السياسي، على أهميته، لا يكفي وحده لانتزاع السيادة عندما تغيب آليات التنفيذ.
4. الانقسام الفلسطيني: أضعف الانقسام بين فتح وحماس وحدة النظام السياسي والقرار الوطني، وأضرّ بقدرة الفلسطينيين على تقديم استراتيجية موحدة لإدارة الصراع والتفاوض بشأن المستقبل.
5. أزمة الشرعية والتجديد السياسي: إن غياب الانتخابات الوطنية المنتظمة، واستمرار أزمة التمثيل، وتراجع الثقة بالمؤسسات، كلها عوامل أضعفت قدرة القيادة على تجديد تفويضها الشعبي وحشد الفلسطينيين حول مشروع وطني جامع.
هذه العوامل لا تعفي القيادة الفلسطينية من مسؤولية مراجعة خياراتها، لكنها تمنعنا من اختزال الإخفاق في شخصية واحدة أو في اختلاف أسلوب قائد عن آخر.
رابعاً: حين تتقدم شرعية التفاوض على شرعية الإنجاز
تكمن المعضلة المركزية في تجربة محمود عباس في أن المشروع الذي راهن على التفاوض بوصفه الطريق إلى الدولة لم يحقق النتيجة التي وعد بها الفلسطينيين. فالدولة ليست اعترافاً دبلوماسياً فحسب، ولا مؤسسات إدارية تعمل تحت قيود الاحتلال؛ الدولة، في معناها السياسي والقانوني، تعني ممارسة السيادة، والسيطرة على الأرض والموارد، وامتلاك القرار الوطني المستقل.
ومن هنا، لا يكفي أن تكون القيادة مقبولة دولياً إذا بقي مشروعها الوطني عاجزاً عن تغيير شروط الواقع. كما لا تكفي الشرعية الثورية وحدها إذا لم تستطع بناء المؤسسات وتحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية مستدامة.
إن المطلوب ليس العودة إلى الماضي باعتباره نموذجاً مكتملاً، ولا قبول الحاضر باعتباره قدراً نهائياً، بل بناء صيغة وطنية تتجاوز حدود التجربتين، وتجمع بين الشرعية الشعبية، ووحدة القرار، والدبلوماسية الفاعلة، والمقاومة السياسية والقانونية، والقدرة على فرض كلفة حقيقية لاستمرار الاحتلال.
خاتمة: الدولة ليست بديلاً عن الثورة، بل ثمرة إنجازها الوطني
لقد راهن أبو مازن على أن التفاوض يمكن أن ينقل الفلسطينيين من زمن الثورة إلى زمن الدولة، لكن التجربة كشفت أن التفاوض، عندما يجري في ظل اختلال عميق في موازين القوى ومن دون ضمانات ملزمة، قد يتحول من وسيلة لإنهاء الاحتلال إلى عملية مفتوحة بلا أفق واضح.
وفي المقابل، فإن تجربة أبي عمار تؤكد أن الشرعية التاريخية والرمزية الثورية، مهما كانت راسخة، لا تكفي وحدها لضمان قيام الدولة.
إن الدرس الأعمق من التجربتين هو أن الدولة الفلسطينية لا يمكن أن تكون هبة من إسرائيل، ولا نتيجة تلقائية للاعتراف الدولي، ولا ثمرة مفاوضات لا تملك أدوات تنفيذ نتائجها. إنها مشروع تحرر وطني يحتاج إلى شعب موحد، وقيادة متجددة الشرعية، ومؤسسات ديمقراطية، واستراتيجية قادرة على تحويل الحقوق التاريخية والقانونية إلى واقع سياسي ومادي.
فلسطين لا تحتاج إلى المفاضلة بين أبو عمار وأبو مازن بقدر ما تحتاج إلى تجاوز حدود التجربتين، واستعادة وحدة المشروع الوطني. فالشرعية التي لا تنتج إنجازاً تحتاج إلى مراجعة، والتفاوض الذي لا يقود إلى السيادة يحتاج إلى إعادة بناء، والثورة التي لا تتحول إلى حرية ودولة تبقى مشروعاً لم يكتمل.
إن السؤال الفلسطيني اليوم ليس: من كان على حق، عرفات أم عباس؟ بل: كيف نستعيد القدرة الوطنية على إقامة الدولة التي ناضل الفلسطينيون من أجلها، ودفعوا أثماناً هائلة في سبيلها؟
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع