حين إصدار المواقف، علينا عدم التسرّع في اتخاذ القرارات عندما تتعلّق بالقضايا المصيرية التي قد تقود إلى أوضاع كارثية وتداعيات خطيرة. وفي سياق هذا المقال، سأتناول في البداية الموقف الإيراني من الدول الخليجية ومن الأردن.
لطالما كانت العلاقات الإيرانية مع دول الجوار والدول العربية بشكل عام متوترة لعدة أسباب موضوعية، ولا نريد هنا الخوض في القضايا الخلافية، بل ننطلق من عمق الخطوات الإيجابية التي ترسّخت بين الدول العربية وإيران خلال السنوات الأخيرة. فقد شهدنا وساطة قادتها الصين لإزالة الخلافات بين المملكة العربية السعودية وإيران، وقد ظهر تفاعل إيجابي بين الجانبين تُرجم عبر الزيارات المتبادلة وتعزيز قنوات التواصل.
كما برز ذلك خلال العدوان الإسرائيلي في حزيران من العام الماضي 2025، وبمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أعلنت السعودية إلى جانب دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن موقفًا واضحًا برفض وإدانة العدوان الإسرائيلي، والمطالبة بوقفه والعودة إلى مسار المفاوضات بين إيران والإدارة الأمريكية.
ورغم هذه المواقف، قامت إيران بضرب قاعدة في الدوحة داخل قطر، وهو ما أحدث ثغرة في العلاقات بينها وبين دول الخليج التي كانت قد أدانت العدوان الإسرائيلي–الأمريكي على إيران. ومع ذلك، جرى تجاوز ذلك الحدث لاحقًا في إطار الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
وفي سياق المسار التفاوضي، بقيت دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، إلى جانب الأردن ومصر، تدعم استمرار المفاوضات للوصول إلى اتفاق بين إيران والإدارة الأمريكية حول البرنامج النووي الإيراني لأغراض سلمية. كما لعبت قطر دورًا في تقريب وجهات النظر، بينما تولّت سلطنة عُمان، التي تمتلك خبرة طويلة في الوساطات، جهودًا مهمة لتقريب المواقف، كما حدث في جولات التفاوض الأخيرة.
في المقابل، يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والائتلاف اليميني الحاكم في “إسرائيل” إلى دفع واشنطن للخروج من مسار المفاوضات والتوجه نحو مواجهة عسكرية مع إيران. وهذا يقودنا إلى قراءة أوسع لطبيعة الأهداف الإسرائيلية، التي تسعى – بحسب كثير من المؤشرات – إلى فرض الهيمنة والسيطرة على منطقة الشرق الأوسط وربما التمدد نحو أفريقيا.
لقد أظهرت التطورات أن صمود إيران ودورها الإقليمي، على غرار تركيا، يمكن أن يشكّل عامل توازن في مواجهة الطموحات الإسرائيلية للهيمنة على المنطقة. ومن هنا، تبدو المصالح المشتركة بين إيران ودول الخليج والعالم العربي واضحة في العديد من الملفات.
غير أن السؤال المطروح هو: لماذا اندفعت إيران إلى توجيه ضربات باتجاه بعض الدول الخليجية والأردن في الوقت نفسه الذي أعلنت فيه هذه الدول رفضها للعدوان الإسرائيلي عليها؟ وأيًا تكن الأسباب، كان من الأجدر أن يكون الرد الإيراني موجّهًا مباشرة نحو “إسرائيل” باعتبارها دولة احتلال، خصوصًا بعد أن اندفعت الإدارة الأمريكية خلف سياسات نتنياهو.
لقد شكّل هذا التطور نقطة خلافية بين إيران والدول العربية، في وقت بدت فيه “إسرائيل” المستفيد الأكبر من هذا التباعد. ولذلك، من الضروري أن تعيد إيران حساباتها، خاصة في هذه المرحلة الحساسة.
وفي سياق سوء تقدير المواقف والحسابات الخاطئة، كان من الأفضل لـ حزب الله ألا يتبنّى إطلاق الصواريخ باتجاه” إسرائيل” في توقيت تبحث فيه الأخيرة عن ذرائع للاستمرار في الاعتداءات على لبنان. فقد أُجبرت “إسرائيل” سابقًا على القبول بوقف إطلاق النار، لكنها ما زالت تحاول دفع حزب الله إلى ردٍّ يبرر إعادة احتلال جنوب لبنان والسيطرة على موارد النفط والغاز في المياه الإقليمية اللبنانية.
وبدون أدنى شك، فإن المقاومة حق مشروع للشعوب التي تتعرض للاحتلال والعدوان، لكن هذا الحق يجب أن يُدار بحسابات وطنية دقيقة، بحيث لا يؤدي إلى نتائج كارثية تنعكس سلبًا على المدنيين اللبنانيين العزّل.
عمران الخطيب





