أرض العرب ساحة الحروب: كيف تُدار معارك القوى الكبرى من قواعد الخليج؟

بقلم:م.محمد علي العايدي

في كل مرة تشتعل فيها الحروب في منطقتنا، تتكشف حقائق كانت تُقدَّم لشعوبنا لسنوات طويلة على أنها “ضمانات للأمن والاستقرار”. لكن ما يجري اليوم يطرح سؤالاً كبيراً: لمن تعمل القواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة في الخليج؟ وهل وُجدت فعلاً لحماية الدول العربية، أم أنها جزء من منظومة أوسع لإدارة الصراع في الشرق الأوسط بما يخدم مصالح القوى الكبرى؟

لقد رُوِّج طويلاً لفكرة أن وجود القواعد الأمريكية في المنطقة هو درع حماية للدول المضيفة، وأنها مظلة أمنية في وجه الأخطار. غير أن الوقائع المتكررة تشير إلى أن هذه القواعد تحولت في كثير من الأحيان إلى منصات لإدارة الحروب، ونقاط انطلاق للعمليات العسكرية، ومراكز ضغط سياسي وعسكري تُستخدم عندما تريد الولايات المتحدة توجيه رسائل قوة أو خوض معاركها بعيداً عن أراضيها. وهكذا تصبح جغرافيا المنطقة ساحةً مفتوحة للصراع، بينما تبقى مراكز القرار والحرب بعيدة عن الدمار الذي يطال الأرض العربية وشعوبها.

إن الحروب التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية تُظهر بوضوح أن الشرق الأوسط أصبح مسرحاً دائماً لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية. فكلما تصاعد التوتر مع دولة ما، تتحول القواعد العسكرية المنتشرة في محيطها إلى أدوات جاهزة للاستخدام، وكأن المنطقة خُلقت لتكون خط تماس دائم. وفي هذا السياق، فإن أي تصعيد كبير مع إيران أو مع أي قوة إقليمية أخرى يهدد بأن تتحول دول المنطقة نفسها إلى خطوط مواجهة، سواء أرادت ذلك أم لم ترد.

وهنا تكمن المفارقة الخطيرة: فبدلاً من أن تكون هذه القواعد عامل استقرار، قد تتحول إلى عامل استهداف مباشر. فالقوة التي تمتلك القدرة على ضرب الخصم من تلك المواقع تجعل الدول المضيفة تلقائياً جزءاً من المعادلة العسكرية، حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع. وهذا يعني أن شعوب المنطقة قد تجد نفسها في قلب معارك لم تخترها، بينما تدفع ثمنها من أمنها واقتصادها واستقرارها.

وفي خضم هذه المعادلات المعقدة، يتداخل الملف الأمني مع الملف السياسي، خصوصاً فيما يتعلق بمسار العلاقات في المنطقة والتوازنات الإقليمية. فالتقارب الأمريكي الإسرائيلي، الذي يمتد لعقود طويلة، يشكل أحد أعمدة السياسة في الشرق الأوسط، وهو تقارب يقوم على تحالف استراتيجي عميق يتجاوز الحكومات والظروف. هذا التحالف كان وما زال عاملاً مؤثراً في رسم خريطة القوة في المنطقة، وفي توجيه السياسات التي تتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي ومستقبل المنطقة بأسرها.

ومن هنا فإن النقاش الدائر اليوم في الشارع العربي لا يتعلق فقط بوجود قواعد عسكرية أو بتحالفات سياسية، بل يتعلق بسؤال أكبر: كيف يمكن للدول العربية أن تحافظ على أمنها واستقرارها دون أن تتحول أراضيها إلى ساحات صراع بالوكالة؟ وكيف يمكن أن تبني منظومة أمن إقليمي قادرة على حماية مصالح شعوبها بعيداً عن منطق الاستقطاب الدولي؟

إن المنطقة اليوم تقف أمام لحظة تاريخية حساسة، لحظة تتطلب قراءة واعية للتجارب الماضية، وفهماً عميقاً لمعادلات القوة التي تحكم العالم. فالأمن الحقيقي لا يُبنى فقط بالتحالفات العسكرية، بل ببناء قوة داخلية، وتكامل إقليمي، ورؤية استراتيجية تجعل من الدول العربية فاعلاً في صياغة مستقبلها، لا مجرد ساحة تتحرك فوقها صراعات الآخرين.

وفي النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن استقرار المنطقة لن يتحقق إلا عندما تصبح إرادة شعوبها ومصالحها هي البوصلة التي توجه السياسات، لا حسابات القوى الكبرى ولا خرائط النفوذ التي تُرسم خارج حدودها. فالتاريخ يعلّمنا أن الأمم التي لا تمتلك قرارها تصبح ساحة لقرارات الآخرين، وأن الوعي السياسي هو الخطوة الأولى نحو حماية الأوطان وصون مستقبلها