تشهد الثقافة العربية في اللحظة الراهنة منعطفاً حادّاً تتقاطع فيه أسئلة الهوية مع تحوّلات المعرفة وتسارع العالم من حولها، حتى غدا سؤال الفكر نفسه موضع مساءلةٍ دائمة: هل ما يزال قادراً على إنتاج المعنى، أم أنّه يكتفي بإعادة تدوير يقيناته القديمة؟ فالأزمة لم تعد أزمة إنتاجٍ معرفي بقدر ما أصبحت أزمة وعيٍ بكيفية التفكير، وبآليات قراءة الذات والآخر والتاريخ. وبين تضخّم الخطاب وضمور النقد، تتسع الفجوة بين وفرة المعرفة وغياب المعنى، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في بنية المفاهيم وأدوات الفهم، سعياً إلى استعادة دور الثقافة بوصفها فعلاً نقدياً خلاقاً لا مجرد ذاكرةٍ تدافع عن نفسها.
لعلّ إحدى أعمق أزمات الثقافة العربية اليوم، وأكثرها نكوصاً بأفرادها، تتمثّل في أزمة التعاطي مع الأفكار والمفاهيم وأصول الثقافة العربية الغنية التي نعتزّ بها أيّما اعتزاز. وهي أزمة تتقاطع مع أزمة النقد ذاته؛ ذلك النقد الذي يغيب أحياناً غياباً شبه كامل، ويُنظَر إليه لدى كثيرين باعتباره أداةً من أدوات التدمير البنيوي للنصوص، أو يُستعمل ـ في المقابل ـ سلاحاً مُسلَّطاً على الآخر بوصفه «مردّ الداء» و«سبب المحنة». في حين أنّه، لو انصبّ على الذات وساءل الهوية العربية المعاصرة في مكوّناتها وأسسها، لأصبح كاشفاً عن أدواء تعانيها هذه الثقافة وتنفر من مواجهتها.
إنّ التعاطي مع الأفكار والمفاهيم والتصوّرات الثقافية من موقع سجالي دفاعي يقلّل من إمكان تفكيكها وتحليلها لإدراك طبقات المعنى الكامنة فيها، ويجعل تحديد مضامينها المعرفية وتحولاتها التاريخية ودلالاتها المنطقية أمراً عسيراً، بل يكاد يكون مستحيلاً. وهو ما يُسقط العقل في عدمية إبستمولوجية تغيب معها مساءلة المفهوم من حيث تاريخيته وأطره المعرفية وكيفية تشكّله، الأمر الذي يجعل حقل إبستمولوجيا العلوم الإنسانية والثقافية محوراً لتوصيف الارتجاج المعرفي الكبير الذي مسّ بنية العلم والثقافة والفكر في اللحظة المعاصرة.
يمكن القول إن النزعة العلمية ظلّت، زمنًا طويلاً، إبستمولوجيا واثقة من ذاتها ومن بنائها المفاهيمي والمنهجي. فعلى الرغم من المراجعات النقدية العديدة التي شهدها تاريخ العلم والثقافة الإنسانية، لم يبلغ أثرها حدّ المساس بأسس البناء المعرفي المتجذّرة في الوجود الإنساني، بل اقتصرت غالباً على تعديلات في المفاهيم والمدلولات والنظريات. وحتى الثورات العلمية الكبرى التي بدّلت نماذج التفكير برمّتها ـ أو ما يُسمّى بتحوّل «البراديغمات» ـ وأحدثت قطائع معرفية عميقة، لم تنتهِ إلى مساءلة العلم في ذاته، بل اقتصرت على مساءلة النظرية السائدة وإنزالها من عرشها وإحلال رؤية بديلة محلّها.
إنّ أحد أبرز التحولات الجذرية التي شهدتها الفيزياء الكلاسيكية تمثّل في الثورة الكوبرنيكية؛ فرغم حدّة الانعطافة التي دشّنتها في تاريخ الوعي الفيزيائي، فإنها لم تؤزّم علم الفيزياء نفسه، بل ساءلت نظرية بطليموس حصراً، فغيّرت طريقة رؤية العلماء للسماء وحركة الأفلاك.
غير أنّ حراكاً معرفياً متميّزاً، منذ منتصف القرن التاسع عشر وطيلة النصف الأول من القرن العشرين، أخذ يخلخل البناءات العلمية والثقافية من جهة مرتكزاتها المنطقية، الأمر الذي أفضى إلى ما اصطلح على تسميته بـ«أزمة إدراك المفاهيم». وهي أزمة دفعت العلماء والمثقفين إلى استشعار وعي إبستمولوجي قلق يسائل صدقية المفاهيم والمنهجيات العلمية وأسس النقد الثقافي، بل أوصلت بعضهم إلى حافة العدمية المعرفية حيث تلاشت الدلالة، وانتصبت أزمة المعنى بكل جذريتها وشمولها.
والواقع أنّ مفارقة لافتة تواجه القارئ عند تأمّل وضعية الفكر والعلم والثقافة في القرن الحادي والعشرين؛ إذ قد يُظنّ أنّ أزمة المعرفة ستنعكس سلباً على الإنتاج العلمي والثقافي فتُصيبه بالضمور والاختلال، غير أنّ العكس هو ما حدث. فالمعرفة توسّعت بصورة غير مسبوقة، في الوقت الذي تعمّقت فيه أزمة أسسها.
إنّ أزمة إدراك المفاهيم لا تعني انهيار الممارسة العلمية أو توقّف قدرتها على الاكتشاف والإبداع، بل إنّ التأزّم أصاب أساس العلم دون أن يشلّ حركته. فالأزمة مست يقين العلم بذاته أكثر مما مست فعله. وقد بدأت إرهاصاتها في الرياضيات مع مفارقات نظرية المجموعات أواخر القرن التاسع عشر، قبل أن تمتد سريعاً إلى المنطق والفيزياء والبيولوجيا، في توقيت متقارب، الأمر الذي أشعر العاملين في مختلف الحقول العلمية بوجود أزمة حادة تستوجب مراجعة نوعية.
وبسبب شمول هذه الأزمة، اهتزّت الأسس المنهجية للنماذج المعرفية المختلفة، سواء كانت صورية استنباطية أم استقرائية تجريبية. ولم يعد التأزّم مقتصراً على عوائق جزئية أو على إشكالات تخصّ نظرية بعينها، بل مسّ البناء العلمي والثقافي والفكري برمّته، عربياً وغربياً، فأشعر الفكر الإنساني لأول مرة بأنّ يقينه لم يعد قائماً على أساس مكين.
وقد شهد مطلع القرن العشرين نقاشات ثرية شاركت فيها اتجاهات فلسفية وعلمية وثقافية متعددة، لمعالجة إشكالية تأسيس اليقين العلمي، ولا سيما في النظرية الاستقرائية وما يرتبط بها من مفاهيم السببية والكلية والموضوعية والحتمية. ولم تغفل هذه النقاشات استحضار التراث الفلسفي العربي والإسلامي والغربي معاً، بما أتاح مساءلة أعمق للبنيات المفاهيمية التي تحكم فهم الإنسان للوجود والطبيعة والمعرفة.
ولعلّ أهم النتائج المترتبة عن هذا الوعي الجديد إدراك أنّ الهوية نفسها ـ سواء كانت عربية إسلامية أم غربية ـ ليست معطى ثابتاً، بل مجالاً للتحوّل والتفاعل والتلاقح مع الآخر. فالهوية أرضُ حوارٍ لا جدارُ انغلاق، وقيمتها في قدرتها على التجدّد والتفاعل، إيماناً بأنّ الحقائق الإنسانية الكبرى ليست سوى مواضعات تاريخية هدفها الإصلاح في الأرض وتعميرها والحفاظ على الإنسان والرقيّ به.
ومن نتائج هذا الإدراك أيضاً ضرورة تجاوز ثنائية «الخاص» و«العام» حين تتحوّل إلى أدوات قطيعة داخل المجتمع، إذ لا تفعل تلك الثنائيات سوى تعميق الانقسام وتعطيل إمكان الحوار الخلّاق بين مكوّناته المختلفة.







