لم يكن العلم الحديث في بداياته مشروعًا منفصلًا عن الإنسان أو القيم، لكنه مع تطوره المنهجي التراكمي قام بتحول عميق: تحييد الغاية من داخل بنية المعرفة نفسها. ام يعد السؤال المركزي داخل العلم: لماذا نعرف؟ أو لأي غاية نكتسب المعرفة؟، بل أصبح التركيز على: كيف نعرف؟ وكيف نفسر ونقيس ونتنبأ؟ هذا التحول أنتج قوة معرفية هائلة، لكنه في الوقت نفسه خلق فراغًا غائيًا وأخلاقيًا متزايد الاتساع.
في التصور الفلسفي عند أرسطو (1)، لا يمكن فهم أي شيء دون فهم غايته (التلوس2)، أي الاتجاه الداخلي الذي يفسر وجوده ووظيفته. وقد صاغ هذا التصور في الأخلاق إلى نيقوماخوس (3) حيث ترتبط المعرفة بالفعل، ويتحقق الفعل الإنساني ضمن غاية هي الحياة الفاضلة.
أولًا: من سؤال لماذا اكتُسب العلم؟ إلى حياد الغاية
في مسار العلم الحديث، جرى فصل المعرفة عن سؤال الغاية، بحيث أصبح العلم يُبنى على:
• الوصف الكمي للظواهر
• النمذجة الرياضية
• التنبؤ الإحصائي
• التحقق التجريبي
لكن السؤال الأولي: لماذا اكتُسب هذا العلم أصلًا؟ تراجع لصالح كفاءة الأدوات (4).
وهنا تظهر الإشكالية: العلم قد يكون صحيحًا منهجيًا، لكنه غير محدد الاتجاه أخلاقيًا أو إنسانيًا.
ثانيًا: نسيم طالب — حين تكشف النماذج حدود السيطرة
في كتابه البجعة السوداء، ينتقد نسيم نيقولا طالب النموذج المعرفي الحديث من زاوية مختلفة: ليس لأنه بلا غاية، بل لأنه يتوهم السيطرة على الواقع عبر النمذجة (5).
يرى طالب أن:
• العالم غير خطي
• الأحداث النادرة تصنع التحولات الكبرى
• النماذج تبسط الواقع بشكل مخل
ويضيف بُعدًا أخلاقيًا عبر مفهوم جلد في اللعبة، حيث تصبح المسؤولية مرتبطة بمن ينتج المعرفة ويطبقها، لا بالمعرفة نفسها.
لكن عنده تبقى الغاية خارج العلم، وتلتحق بمسؤولية الفاعل بعد الاستخدام، لا ببنية المعرفة أثناء إنتاجها.
ثالثًا: المنهج العربي–الإسلامي — الغاية كشرط لا نتيجة
في المقابل، يقدم المنهج العربي–الإسلامي تصورًا مغايرًا جذريًا، حيث لا يُفصل العلم عن الغاية، بل تُدمج الغاية في تعريفه (6).
فالمعرفة لا تُقاس فقط بصحتها المنهجية، بل أيضًا بقدرتها على:
• الهداية
• الإصلاح
• عمارة الأرض
• خدمة الإنسان
كما يظهر عند الراغب الأصفهاني وغيره، فإن العلم لا ينفصل عن العمل، ولا عن أثره في الإنسان والمجتمع.
رابعًا: الإشكال المركزي بين لماذا اكتسب؟ وإلى أين يتجه؟
تتحدد الأزمة المعاصرة في فجوة ثلاثية:
1. لماذا اكتسب العلم أصلًا؟
2. هل أدواته صحيحة منهجيًا؟
3. هل توظيفه أخلاقي ويخدم الإنسان؟
فالخلل ليس في القوة العلمية، بل في انفصال:
• صحة المعرفة
عن
• اتجاهها الأخلاقي والإنساني
وهذا يفتح سؤالًا أخطر:
هل يمكن للعلم أن يبقى قويًا دون أن يسأل: إلى أين يتجه؟
خاتمة نقدية
إن العلم الحديث يمتلك أدوات تفسير وتنبؤ غير مسبوقة، لكنه في كثير من الأحيان فقد القدرة على الإجابة عن السؤالين الجوهريين:
• لماذا اكتُسب؟
• وإلى أين يتجه؟
بين أرسطو الذي جعل الغاية جزءًا من تفسير الوجود، والمنهج الحديث الذي حيّدها، ونقد نسيم طالب الذي كشف حدود السيطرة، والمنهج العربي–الإسلامي الذي أعاد دمجها في بنية المعرفة، تتحدد الأزمة المركزية:
ليست المشكلة في قوة العلم، بل في غياب البوصلة التي تحدد اتجاه هذه القوة، ومدى خدمتها للإنسان.
الهوامش
(1) حذف الغاية عند أرسطو ليس تعديلًا في المنهج، بل حذف لجزء من معنى الظاهرة نفسها.
(2) التَّلوس (الغَايَة) هو مصطلح يوناني عند الفيلسوف أرسطو، ويعني “الغاية النهائية” أو “الهدف الذي يكتمل به الشيء ويُفهم من خلاله”. ولا يقصد به مجرد النهاية الزمنية، بل الغاية الداخلية التي تمنح الشيء معناه ووظيفته. وقد استخدمه أرسطو في كتابه الأخلاق إلى نيقوماخوس للدلالة على أن الخير الإنساني يتحقق عبر بلوغ الإنسان غايته الخاصة، أي الحياة الفاضلة القائمة على العقل والفضيلة.
(3) مرجع سابق
(4) تحييد الغاية لا يلغي استخدامها، لكنه يخرجها من داخل بنية العلم إلى خارجه.
(5) المشكلة ليست في النماذج، بل في تحويلها إلى بديل عن الواقع.
(6) هنا الأخلاق ليست لاحقة على العلم، بل جزء من شروطه الداخلية.






