أزواد: رواية لاحمد ابو سليم تقع على متن 318 من القطع المتوسط وهي من اصدارات الاتحاد العام للكتاب والادباء في رام الله/فلسطين سنة 2023.
رواية تدمج بين الواقع النضالي والخيال الروائي في ثجسيد لعملية البطل الفلسطيني ثائر حماد، قناص الجنود الصهاينة وصاحب العملية البطولية الشهيرة والتي عرفت واشتهرت باسم عملية عيون وادي الحرامية، التي نفذها البطل الفلسطيني الفذ ثائر حماد في 3 مارس 2002 ضد حاجز عسكري إسرائيلي بين رام الله ونابلس.
ترصد الرواية حياة القناص والبطل ثائر حماد، وتروي وتفاصيل العملية بأسلوب أدبي يسلط الضوء على “أدب المقاومة” بصورته الإنسانية واخلاقه السامية.
تعمل الرواية على دحض الرواية الاسرائيلية الزائفة بشان ارض الميعاد وحقيقة اكاذيب اليهود وادعاءاتهم، علاوة على ان الرواية ومن خلال حوارتهاة تعمل ايضا على تفكيك مفاهيم الهيمنة الاستعمارية.
عنوان الرواية “أزواد” يشير في المعنى اللغوي إلى الزوادة ، الطعام الذي يحمله المسافر، واصطلاحا تشمل الزوادة كل ما يحمله المسافر او المطارد او الفدائي على كتفه وفي قلبه، فعلى كتفه يحمل البندقية، وفي قلبه يحمل وصايا الارض واصحاب البلاد مثل الجد الذي يوصيه دائما :” اياك ان تموت” كما جاء في الصفحة ٣١٧، بل ان الجد جعلها اخر وصاياه، كما انها كانت اخر كلمات اختتمت بها الرواية في الصفحة ٣١٨ وبها تختم اخر سطور الرواية :” وصوت جدي يلاحقني، وصداه يتردد غي الوادي: اياك ان تموت يابني… اياك ان تموت!”.
الرواية بحدثها الرئيسي عملية ثائر حماد _وادي الحرمية_ الا ان الكاتب ومخياله الروائي اعتمد على شخصية البطل ثائر في توالد الاحداث والشخصيات، فثائر وعبر سيرة ابيه وجده وارضهم وخيولهم و استطاع الكاتب ان يستولد منهم الحكايا تباعا ابتداء من ثورة عام 1936 من خلال شخصية “المنجد” و “عياض” و “الدهماء” وبالذات عبر شخصية الجد الذي يتبنى بطل الرواية ، ويعلمه كيفية الدفاع عن فلسطين، بالبندقية تارة وفي الرواية تارة اخرى، مؤكدا أنه صاحب الأرض الشرعي، مستهدفا ضحد الرواية الاسرائيلية والتوراتية الزائفة..
ثم تكمل الرواية صفحاتها حتى تصل الى انتفاصة الاقصى والقيام بالعملية [محور الرواية] وما تلاها من معركة مخيم جنين و محاصرة مقر المقاطعة برام الله، وحتى ملاحقة المحتل لثائر وقيامه بالهروب على ظهر حصانه المسمى الخضراء” والتي تسلمه للاحتلال، في تورية تحتمل وتحتضن في احشائها الكثير من التأويل والتفسير…
احد هذه التفاسير ما قدمه الكاتب نفسه على ظهر الصفحة ٣١٢ والتي جاء فيها:” لماذا تعتقد انها سلمتني للجنود؟ ربما كي تغير قدرك، ربما كانت ترى شيئا لا تراه، ربما كان السجن هو الملاذ الوحيد لتغيير ذلك القدر، ، من يدري؟ ربما كان عليك ان تمر في هذا الممر الضيق، عبر كل هذا العذاب، كي تصل الى مكان ما، عليك ان تصل اليه، ولا يمكن لطريق اخر ان يقودك اليه، ربما، من يدري؟”
ويكمل روايته ابو سليم محاولا ايصال فكرته الينا عبر عديد اسئلته الفلسفية التي طرحها في الرواية، ومنها السؤال المحوري والاهم، لماذا سلمتني الخضراء للجنود؟ فيتابع اجابته على ظهر الصفحة ٣١٢ ص و٣١٣ فيقول:”
من يدري كيف يصبح الكائن حين يصبح بوسعه أن يقرأ القدر؟… أنذاك لن تكون قادرا على تفسير تصرفاته أبدا. الناس ورثوا مفهوما خاطئا عن القدر. كل منا بوسعه أن يغير قدره بنفسه إن أراد. أظن ذلك. …”
“والعياض…، لماذا سلمته الدهماء للموت؟
فكرت في هذا السؤال ملايين المرات طوال ستين عاما والسؤال يحيرني. ثم اهتديت فجأة للإجابة حين قابلت رجلا من حيفا عجوز مثلي يبيع الترمس، يحمل الطبق على رأسه، وقد تجاوز الستين، وينادي في الشارع على الترمس. ناديته، اشتريت ما اشتريت منه. سكبت له كأسا من الشاي، جلسنا نتحاور. فجأة تذكرت أني أعرفه وأننا حاربنا معا ذات يوم عام 1948 في قرى حيفا. لم أصدق. كيف يمكن لمحارب مثله أن يمسي على ما أمسى عليه؟ يومذاك فهمت ما فعلته الدهماء. كانت يا بني تقرأ القدر وتعرف أنها مع العياض لا تملك أن تغير الآتي. ربما ماتت معه لينجو من الذل الذي عشناه نحن. هل كان بوسعك أن تتخيل العياض وهو يحمل على رأسه فرشا من الترمس ويدور به في الحارات بين الأولاد؟” صفحة 313.
سؤال الرواية المحوري في ص ٣١٢ “من يدري كيف يصبح الكائن حين يصبح بوسعه أن يقرأ القدر؟” سؤالك تأمليّ عميق، يكاد يكون شطحة فلسفية مفتوحة على احتمالات كثيرة، لكن يبقى تعدد الاسئلة التي تثار في الرواية ازواد وفي روايات ابو سليم عموما سمة تتميز بها روايات ابو سليم؛ لا بل انن يسعى اليها تمامت، وهذا ما صرح به صاحبنا دوما، فيقول:”ما يميز الرواية هو تعدد التأويلات، لأننا عندما نطرح الأسئلة، ينشأ التأويل، فلا يوجد سؤال يمكن الإجابة عنه بإجابة قاطعة، وأي نص إبداعي يجب أن يحتوي على أفكار فلسفية.”
وعند العودة الى سؤال القدر الوارد في الرواية ومحاولة الاجابة عليه بصورة فلسفية اعمق ، من يدري كيف يصبح الكائن حين يصبح بوسعه أن يقرأ القدر؟”نجد ان الاجابات تاخذنا الى ابعاد وافاق مفتوحة على كل الصعد والمستويات؛ فإذا كان القدر هو ما لا يُرى إلا من بعيد، فإن القدرة على لقائه تعني تحوّلًا جذريًا في طبيعة الكائن نفسه، ويمكن التفكير في الأمر على أكثر من مستوى:
على المستوى الوجودي:
حين يلقى الكائن قدره، لا يعود خاضعًا له بوصفه قوة عمياء، بل يدخل معه في حوار. هنا يتحوّل من مفعولٍ به إلى فاعلٍ في معنى مصيره. كأنّه ينتقل من الخوف إلى الفهم، ومن الانتظار إلى المواجهة.
على المستوى النفسي:
لقاء القدر قد يعني التصالح مع ما كان يُخشى. فيصير الكائن أكثر اتزانًا، أقل قلقًا، لأنه رأى النهاية الممكنة ولم ينهَر..
على المستوى المأساوي:
في التراجيديا الإغريقية، مثل مسرحية Oedipus Rex لـSophocles، حين يواجه أوديب قدره لا ينجو منه، لكنه يبلغ وعيًا أعلى بذاته. الكارثة هنا ليست في وقوع القدر، بل في انكشاف الحقيقة. ومع ذلك، هذا الانكشاف هو ذروة إنسانيته.
على المستوى الصوفي:
قد يصبح الكائن أكثر تواضعًا؛ لأن لقاء القدر يُسقط وهم السيطرة. فيتحول من كائن يطلب النجاة إلى كائن يطلب المعنى.
ربما يصبح الكائن، حين يلقى قدره، أكثر إنساني، وربما يصبح أكثر هشاشة، وربما—وهذا الاحتمال الأعمق—يكتشف أن القدر لم يكن شيئًا خارجه، بل صورة مكبّرة لاختياراته، لمخاوفه، لوعيه المؤجَّل.
ابو سليم وبما يمتلك من مخزون معرفي من الفلسفة والميثولوجيا والموروث الديني نجح في تقديم سردية مضادة لاكاذبب الاحتلال واعوانه الهادفة الى سرقة الارض؛ وهءا لن يتم لها الا اذا سرقت الحكاية، وفي هذه الرواية قدم ابو سليم اصل الحكاية التي يستند عليها الصراع بما يؤكد حقيقة اولى في صراعنا مع المحتل، وبانه صراع على الرواية في الاساس…
بقي ان نقول : ابو سليم يكتب بلغة شاعرية عميقة، وقلم صاحب قضية ومبدأ ، ورؤى فلسفية وفكرية تتضح معالمها اكثر واكثر من خلال اسئلته التي يحملها النص او يثيرها، ليس في هذه الرواية وحسب؛ بل في كل ما يكتب، وفي كل رواية .
ابو سليم في روايته هذه يصنع من الحدث فضاء رحبا بفضل مخياله الخصب وثقافته الجذرية والعميقة، علاوة على انه يعطي للبطولة بقيمتها الانسانية والفكرية والفلسفية والتأملية معنى وقيمة تسمو بفعلها واثرها على ما دونها من ادوات وكلمات.






