السياسي -متابعات
تترقب أسواق العملات والسندات العالمية أسبوعاً حاسماً تُحدد ملامحه إشارات وقرارات البنوك المركزية الكبرى، حيث تتجه أنظار المستثمرين نحو المسارات المستقبليّة لأسعار الفائدة في واشنطن وفرانكفورت وطوكيو.
وتأتي هذه التحركات وسط تشابك معقد بين صلابة سوق العمل، وارتفاع أسعار الطاقة، واشتداد المخاطر الجيوسياسية؛ ما يضع صانعي السياسة النقدية أمام اختبار صعب للتوفيق بين كبح التضخم وتجنب الركود.
وسيكون الأسبوع حافلاً بالبيانات الاقتصادية التي ستصدر تباعاً، والتي من شأنها أن تعيد رسم الخرائط الاستثمارية في أسواق العملات والدين للأسابيع المقبلة، خاصة أن حساسية المتعاملين بلغت مستويات قياسية تجاه أي تلميح يصدر عن المسؤولين بشأن أوقات وتعديلات مستويات الفائدة.
“الفيدرالي” واختبار بيانات التضخم
يشكل صدور مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة المحطة الأهم لتقييم الخطوة المقبلة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي. فقد أدّى التقرير الأخير للوظائف، الذي جاء أعمق وأقوى من كافة التقديرات، إلى تعزيز المراهنات بين المستثمرين على أن الفيدرالي قد يجد نفسه مضطراً لرفع آخر للفائدة في المدى القريب، لضمان استقرار حركة الأسعار.
ورغم أن جزءاً غير قليل من المتعاملين يرى في خيار الرفع مساراً متوقعاً، إلا أن الانقسام الداخلي بين أعضاء المجلس لا يزال قائماً، فهناك من يفضّل التمهل ومراقبة الأثر المتراكم للزيادات السابقة في حال أظهرت أرقام التضخم تباطؤاً، بينما يصر فريق آخر على ضرورة استكمال نهج التشديد النقدي لضمان هبوط التضخم بشكل آمن ومستدام نحو المستويات Target؛ ما يرفع أهمية البيانات المرتقبة هذا الأسبوع لترجيح إحدى الكفتين.
مزادات السندات تُختبر مجدداً
لا يتوقف المشهد في الولايات المتحدة عند حدود بيانات التضخم، بل يمتد إلى سوق الدين الحكومي، إذ تخطط وزارة الخزانة الأمريكية لإجراء سلسلة من المزادات الواسعة لطرح سندات قصيرة وطويلة الأجل، تُقدر بقيم مليارية تتوزع بين إصدارات لأجل 3 أعوام، و10 أعوام، إضافة إلى السندات الممتدة لثلاثين عاماً.
وتأتي هذه الإصدارات في توقيت حساس تشهد فيه عوائد السندات طويلة الأجل تحركات صعودية وصلت بها إلى مستويات مرتفعة، وبالتالي فإن نتائج هذه المزادات ستكون بمثابة اختبار عملي يعكس مدى استعداد المؤسسات المالية والمستثمرين للالتزام باستثمارات طويلة الأجل في بيئة تتسم بارتفاع الفائدة واستمرار الضغوط الاقتصادية.
أوروبا وتحديات أسعار الطاقة
على الجانب الأوروبي، يتصدر اجتماع البنك المركزي الأوروبي قائمة الأحداث الرئيسية، وسط قناعة متزايدة بين المتابعين بأن البنك يتجه لنهاية مرحلة التردد والذهاب نحو رفع جديد لأسعار الفائدة.
وتستند هذه القناعة إلى التصريحات المتتالية لأعضاء مجلس المحافظين، إضافة إلى محتوى محاضر الاجتماعات الأخيرة التي أظهرت قلقاً مستمراً من الضغوط التضخمية.
ومع ذلك، لن يتوقف اهتمام السوق عند قرار الفائدة بحد ذاته، بل سينصب بالكامل على نبرة البيان والتلميحات المتعلقة بالخطوات التالية؛ إذ إن المخاطر المحيطة بإمدادات الطاقة وأسعار الغاز نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية قد تجبر المركزي الأوروبي على تبني موقف أكثر حزماً، لمنع انتقال هذه الارتفاعات في التكاليف إلى بقية مكونات السلة الاستهلاكية.
اليابان ومسار رفع الفائدة
في آسيا، تتهيأ الأسواق اليابانية للتعامل مع واقع جديد يبتعد تدريجياً عن سياسة الفائدة المنخفضة، حيث تزايدت المؤشرات على إمكانية إقرار زيادات متتالية في أسعار الفائدة خلال الفترة القادمة.
وتأتي هذه التحركات في وقت يبحث فيه المستثمرون عن إشارات أوضح تصدر عن مسؤولي البنك المركزي بشأن الخطوات المرتقبة.
ونقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن يوشوان تانغ، رئيس إستراتيجية أسعار الفائدة لدى “جي بي مورغان برايفت بنك”، ترجيحه استقرار الدولار مقابل الين قرب مستوى 160، مرجحاً أن يتجه بنك اليابان لرفع الفائدة بضع مرات خلال الفترة المقبلة، للسيطرة على تقلبات سعر الصرف والتكيف مع التغيرات في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة وتكاليف الاستيراد.
بريطانيا وضغوط عوائد السندات
أما في المملكة المتحدة، فتلقي قفزات عوائد السندات الحكومية لآجال 10 و30 سنة بظلالها على الأجواء الاقتصادية، بعدما سجلت مستويات مرتفعة جددت المخاوف حول الاستدامة المالية والقدرة على تحمل التكاليف المرتفعة للدين العام.
ومن المنتظر أن تحظى التصريحات الرسمية المرتقبة من قيادات وزارة الخزانة وبنك إنجلترا باهتمام بالغ، حيث يسعى المستثمرون لفهم كيفية تعامل السلطات النقدية مع هذا التوازن الحرج بين الحد من التضخم ومنع تفاقم أزمة عوائد السندات التي قد تشكل عائقاً أمام النمو الاقتصادي المتداعي.
توجهات متباينة بالأسواق الناشئة
وتظهر بقية البنوك المركزية حول العالم تبايناً واضحاً في طريقة استجابتها للمتغيرات الاقتصادية، إذ يمل المركزي البولندي إلى تثبيت مستويات الفائدة الحالية دون تغيير، مفضلاً التريث رغم التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى اتجاه نحو التيسير النقدي.
ويواجه المركزي التركي حالة من الانقسام في التوقعات بين استئناف مسار خفض الفائدة بناءً على مؤشرات التضخم الأخيرة وتكاليف التمويل، وبين الاحتفاظ بسياسة متوازنة تحمي استقرار العملة المحلية.
في حين يترقب المركزي السويدي يترقب بيانات التضخم القادمة لمعرفة ما إذا كانت تدعم استمرار التشديد، وسط تحذيرات من قبل بعض المحللين من أن الرفع المبكر للفائدة قد يعيق مؤشرات التعافي الاقتصادي الداخلي.
الصين واختبار الطلب العالمي
تختتم الصورة الاقتصادية بالبيانات المرتقبة من الصين حول حركة التجارة والتضخم. وأظهرت تقديرات كل من مجموعتي “آي إن جي”، و”سيتي بنك” المصرفيتين توقعات باستمرار قوة الصادرات الصينية وتحقيق فائض تجاري قياسي يتجاوز 100 مليار دولار؛ ما يعكس مرونة القطاع الإنتاجي الصيني.
وعلى صعيد الأسعار، يُتوقع وفق التحليلات الاقتصادية أن يشهد التضخم الاستهلاكي في الصين ارتفاعاً طفيفاً، وهو ارتفاع يعود جزئياً إلى صعود أسعار الوقود على المستوى العالمي.