أصبح الآن عندي بندقية…  (قصة الشهيد عز الدين ياسين صلاحات)

بقلم : عصري فياض

مدة الحمل البالغة تسعة أشهر،تساوت تماما مع عمر اندلاع انتفاضة الاقصى،فَوُلِدَ للأب ياسين صلاحات ” أبو اياد ” القاطن على الطرف الغربي لحارة “الحواشين” في قلب مخيّم جنين مولوده الذكر الرابع،السادس وقبل الاخير في مجموع الابناء والبنات،فكان الميلاد في شهر حزيران،شهر الصيف الاول الاكثر سخونة على الوطن،خاصة على المخيّم،بسبب تسارع الاحداث وارتقاء الشهداء،الامر الذي أربك الجميع،وقَلَبَ كلُّ مناحي الحياة رأسا على عقب،حتى أن ياسين والد ذلك الطفل،حار في إختيار اسم لابنه الجديد،وبقيت الحيَّرة تعترية حتى تاريخ التاسع من شهر آب،أي بعد شهرين تقريبا من الميلاد،فقرر وبعد إلحاح من الام والعائلة،الذهاب الى دائرة التسجيل في المدينة لاخراج شهادة ميلاد وتسجيل المولود…ذهب دون أن يكون قد اختار اسما معين له،وما أن دخل الدائرة مع انتصاف ظهر ذلك اليوم الحار،حتى سمع الحديث عن تنفيذ عملية فدائية كبيرة في القدس،شيئا فشيئا،جاءت الاخبار بأن المنفذ من جنين … وأن اسمه “عز الدين المصري”… عَلِمَ ياسين بذلك عندما أصبح على شباك التسجيل،فسألته الموظفة :-
ماذا تريد أن تسمي طفلك ؟؟
فقال دون تردد :- عز الدين…
ـــــــــ
تسعة أشهر أخرى بعد الميلاد،كان على الرضيع عز الدين أن يتجرّع مرارتها مع الحليب على وقع تصاعد لهيب الانتفاضة ونزيف الدم،وسيل التضحيات،حتى وصل المخيّم إلى التحدي الكبير في نيسان من العام 2002،وتوغُّلِ الجيش المحتل في المخيّم،والوصول تحت كلِّ فوّهَات النار الى أطراف حيّ الحواشين،فتنقلت به أمه وبإخوته الاطفال هربا من القصف الجوي والمدفعي من بيتها إلى بيت الحاجة ” فهيمة ” المقابل طلبا للسلامة،ثمَّ الي بيت “ابو فتحي ابو ناعسة” المجاور ايضا،ثم إلى بيت “أبو يوسف الصفوري” في نفس الحيّ…أحدى عشر يوما بلياليها والعاصفة الدامية والممزوجة بأصوات الرصاص والصواريخ وهدير إحدى عشر جرافة عسكرية ضخمة كانت تجرف بيوت المخيَّم خاصة حارة “الحواشين” تطحن الحال،كل هذه الصورة الحية والصاخبة جدا،كانت تسقط أصواتها الصارخة بشدة على طبلتيّ أذن الطفل “عز الدين” الرقيقتين،فلا يعي ما يجري،وكان أيضا يمتزج مع حليب أمه التي لم يغادر حضنها،والتي عاش قلبها اياما طويلة من الارتباك والخوف والقلق على عز الدين وإخوانه ووالده الذي صمّمَ على الالتحاق بالمدافعين عن المخيَّم مهما كانت النتائج.
ــــــــ
عندما يدخل الاطفال أبواب مرحلة الفتوة،فإن الاحلام الواعدة تبدأ تدغدغ أفئدتهم الطرية،عز الدين الذي بلغ ربيعه الثالث عشر،تأثر بوالدة واخوته الرياضيين،فكانت موهبته المفضلة هي لعبة كرة القدم،فراح يمارس هذه الموهبة في المدرسة والحواري،وفي الملعب الصغير المجاور للمخيَّم التابع للجنة الشعبية للخدمات،وكان لافت الاداء،فنيّ الحركات،تقرأ في لعبه الموهبة الواعدة،فلاحظه المدرب صديق العائلة ياسر أبو سرية،فأخذه الى فريق البراعم في مركز الشباب الاجتماعي،وما هي إلا أشهر حتى وقع عليه الاختيار من بين ستين لاعب براعم من محافظات الضفة،ليكون عضوا في منتخب فلسطين لفئته العمرية،بعد أن أهله المدرب أيمن صندوقة بالرغم من أنه لم يتجاوز سِنْ الثلاثة عشر،وكان لابد له أن يغادر المخيَّم لأول مرة مع المنتخب إلى البطولة العربية الاسيوية التي جرت في المملكة العربية السعودية…كان عز الدين لايصدق أن خروجه الاول من المخيَّم والوطن سيكون للسعودية وبسبب الرياضة… كان في حالة غبطة كبيرة،وفرح غامر…
وصل السعودية هناك برفقة أعضاء المنتخب البراعمي والطواقم الفنية،كانت غرفة الفندق التي سينزل بها مكونة من سريريّن لكل غرفة،سرير له،وسرير لزميله محمد ابن بلدة كفر نعمة التابعة لمحافظة رام الله…
خاضوا البطولة الاسيوية معا،وبالرغم من أنهم لم يحققوا الصدارة أو المراتب الاولى فيها،إلى أن فرحتهم بهذه الرحلة كانت لا توصف،خاصة عندما إنتهت الرحلة التي دامت نحو عشرين يوما وإنتهت بآداء مناسك العمرة…
وقف عز الدين في المدينة المنورة مقابل ضريح النبيّ محمد صلى الله عليه وآله،فبكت عيّناه شوقا وهو يرى روضة النبيّ أمامه،فتذكّر ما حملته ذاكرته الطفولية من صورة لسيد البشرية النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم،فصلى في روضته ركعتان،أحس خلالهما أنه إرتقى فوق الغمام عابراً نحو السماء…بكى مرة أُخرى عندما وقعت عينية على الكعبة المشرفة لتزداد نفسه الشفافة حنيّة ورقة…وبكى ثالثةً عندما هَمَّت الحافلة بالعودة بهم إلى المطار،حيث ستنقلهم الطائرة الى العاصمة الاردنية عمَّان،ومن ثم الى الوطن،فقد نازعه الشوقُ لأهله…وهو مشتاقٌ أيضاً ليحدثهم عما أحدثت فيه هذه الرحلة من أثر…
لقد عقد العزم أن تكون الرياضة هي حُلّمُ مستقبله،وهي خياره الاول والأخير…لقد سعد بالوصول الى استراحة أريحا نعم،لكنه بالمقابل شعر بالحزن،وهو يودع زميله محمد قبل أن يفترقا كل إلى محافظته ومكان سكانه،وقد تواعدا على الابقاء على التواصل بينهما،والتزاور كلما حانت الفرصة،وسنحت الظروف.
ـــــــــــ
كان لمعلم التربية الرياضية في مدرسة حشاد المربي جواد بواقنة نظرة ثاقبة في عز الدين،فقربه منه حتى اصبحت العلاقة بينهما صداقة أكثر من علاقة معلم بتلميذه،فعز الدين،دمث الاخلاق،هادئ الطباع،بشوش الوجه،دائم الابتسامة،يحترم الكبار،ويعطف على الصغار،ونظرا للياقته وحركاته الفنية وليونة جسمه الذي لا يتوقف عن التدريب،فقد إختير أيضا إلى جانب عضويته في منتخب الفتيان الفلسطيني ومنتخب مدارس تربية جنين،اختير ليكون قائدا لفرقة الدبكة الشعبية التي تمثل ايضا التربية على مستوى مديريات التربية في الوطن،إلا أن عز الدين أوقف مسيرته التعليمية في الصف الحادي عشر بشكل مفاجأ،وعندما سأله والده عن السبب،وماذا يريد أن يعمل في المستقبل رد قائلا :-
انا سأتفرغ للرياضة… وأنشد الاحتراف…
ومع نمو الحُلّمْ،واشاعة الصيت لهذا اللاعب الصاعد اللامع،جاءت له عروضٌ عبر والده للاحتراف في فرق الدرجة المرموقة مثل مركز شباب بلاطة،ونادي مؤسسة البيرة العريقيّن،إلا أن والده رأى أن يبقى مؤقتا في فريق مركز شباب مخيم جنين،وأن يترك الاحتراف الكامل للسنوات القادمة…
في العام 2017،وفي غمرة إنتفاضة السكاكين والدهس،تلقى عز الدين الخبر الصادم الاول في حياته… صديقه محمد إبن قرية كفر نعمة ارتقى شهيدا بعد أن طعن أحد الجنود المحتلين على أحد الحواجز …
سقط عز على قدمية من هول الخبر وهو يدقق في صورة صديقه محمد المنشورة على ” الفيسبوك “… وقال بصوت عال ٍ :- يا الله…
تدخل والده ووالدته ومن حضر من إخوته يهدؤون من روعه…
قال بعد صمت طويل حزين إجتر خلاله جانب من تلك الذكريات التي حفرتها علاقته مع محمد:-
اريد ان أذهب غدا الى كفر نعمة لأقدم لأهله واجب العزاء… لقد اوجعني ما جرى لمحمد … كم كان صديقا حَسَنَ المعشر كبير القلب…رحمة الله تعالى عليك يا صديقي…رحمة الله تعالى عليك…
ـــــــــــــ
كان ارتقاء محمد الضربة الاولى التي بدأت تقلب حياة عز الدين رأسا على عقب…وتفك عرى رباط الحُلّم في حياته بأن يصبح نجما رياضيا كبيرا،ويبتعد عنه شيئا فشيئا…
كانت علاقته واسعه وأصدقاءهُ كُثْرْ،نظرا لما يتميز به من كرم النفس والتواضع،فقد تعرّف على أكثر من صديق في حي جورة الذهب الواقع في قلب المخيَّم خاصة عبود المشارقة،ومن خلالهم تعرّف على معظم شباب الحيّ الذين يقربونه في السن،كما تعرّف على ذلك الشاب الوافد من أطراف مدينة جنين الى المخيّم نور جرار،فقد جمعتهما الابتسامة الدائمة والطيبة المستحكمة،والامل الواعد،كما أن عز تطوع ليصبح صديقا لجمعية مكافحة السرطان وخاصة عندما علم بإصابة الصديقين أمجد من مخيم جنين،وحمد من بلدة بير الباشا بذلك المرض اللعين…كان دائم الزيارة لهما،يرفع من معنوياتهما،ويخفف عنهما…
ذات مرّة،عاد حزيناً من منزل صديقه حمد وقد شاهد إصفرار وجهه،ونحول جسمه،وتساقط شعره،وتأثير ذلك على نفسه…فعاد إلى البيت شديد التَأثر…فوقف أمام المرأة الكبيرة في بيته يحبس في مقلتيه دمعة وهو يمسك ماكنة الحلاقة … وبدأ في حلق شعر رأسه تضامنا مع صديقه المريض،ليقاسمه شيء من ذلك الشعور…
لكن نور،ذلك الوجه الطفوليّ البريء،الذي لا يكاد يغادرُ المخيّم،حتى أصبحت كثير من بيوته بيته الثاني،خاصة وأنه يملك دراجة نارية،تسمح له التنقل والوصول السريع لأي حيّ وحارة…تعلق به عز ،وتعلق هو الاخر بعز…خاصة لما كان يجد من حفاوة الاستقبال،والترحيب من عائلة عز على الدوام…لقد كانا يخرجان سويا،ويعودان سويا،يسهران معا،يتناولون الطعام سويا…ويتقاسمان الاحلام سويا…
نور،الذي فقد شقيقه الشاب الاكبر محمد في حادث مؤسف،لم تغلبه شهيّةُ الانتقام،ولم تمنعه قساواة الحدث في التفكير فيما يجري لشعبه،وما يفعله المحتل عندما يدخل للمخيّم وأحياء المدينة للقتل أو الاعتقال أو التكسير أو الهدم أو التنكيل،فكان يصل الليل بالنهار في العمل على ايصال الطَلَبَات للبيوت عبر الدراجة النارية،حتى يحقق هدفه الذي يصبوا اليه،وهو شراء بندقية يساهم بها في محاولة صد المعتدين الغاشمين…
فنال اخيراً ما تمنى،لقد أصبح اليوم عنده بندقية…لن تبيت عندما يدخلون،ولن تصمت عندما يعربدون…هكذا قال لعز الدين…فكانت صولاته الاولى عندما إرتقى جميل،ومن بعده ضياء،لتأتي ليلة السادس عشر من اب من العام 2021،في تلك الليلة،سهر نور حتى منتصف الليل على سطح بيت عز الدين،وتناولا طعام العشاء معا بمعية بعض الاصدقاء،وغادر نور بيت عز الدين عند منتصف الليل.
قبل الفجر بقليل،تقدم الجيش المحتل بمركباته المصفحة الى المخيّم لاعتقال محمد ابو زينة… تدافع الشبان ببعض السلاح و”الاكواع” للذود عن حمى المخيَّم،وافشال الهدف الذي جاءوا من أجله،كان من بينهم نور القادم من منطقة شرق المخيَّم،وعز القادم من منطقة غرب المخيَّم…تقدم نور خلف القوات المنسحبة فأطلق النار،ولم ينتبه لوجود قناص في إحدى الأبنية المجاورة،فأطلق عليه ذلك القناص الحاقد ثلاث رصاصات من العيار الثقيل،فسقط مدرجا بدمه…رآه صديقه أمجد العزمي،تحركت في نفسه الشجاعة والنخوة،فأسرع لينقذ نور رغم الخطر الشديد…تقدم،فرآه مدرجا بدمه،وقد مزقه الرصاص،فشعر بالغضب،فتناول سلاح نور،وبدأ باطلاق النار على الجنود المنكفئين فنالته هو الاخر رصاصات القناص في أكثر من مكان في وجهه و صدره العامر بأجل صور الوفاء،فارتقى الى جانب صديقه نور…كل ذلك يجري أمام مرآى كثير من شباب المخيَّم والمدينة…تقدمت دروية عسكرية بسرعة،واختطفت الجثمانيّن الى جهة مجهولة،وأسقطت أيضا شهيدين آخرين ــ وهي تحاول الافلات من غضب الثائرين ــ هبا ألى المكان ليشاركا في التصدي،وهما علاء العمار و رائد أبو سيف.
ــــــــــــــــــ
وكان لارتقاء الصديق العزيز والغالي على قلب عز الضربة الثانية والأشد أثرا،لابد من الثأر…لا بد من الانتقام…لا بد من أن يصبح عندي بندقية…ليس ليأخذوني إلى فلسطين،فأنا في قلبها،ولكن ليأخذوني إلى نور…
عاش أياما وأسابيع يشعر بالحزن والقهر،بالأمس محمد واليوم نور،وما زال النزف دفاقاً…
شعر به والده عندما شاهده يضع صورا كبيرة له ولنور كتب على احداها “سيطيب اللقاء،فلا تحزن يا صديقي”،فقال له :-
لقد لاحظت أنك لم تعد ملتزما بالرياضة
فرد عز الدين :- نفسي تَرَفَّعَتْ عن كل شيء…
فقال والده :- ما رأيك أن تدخل سلك الشرطة ؟؟… العمل يُلهي ويُنسي كثيراً من الهَّم…
عز الدين :- ما اطمح اليه هو الحصول على بندقية.
الوالد :- البندقية تحتاج لمال كثير وأنت لا تعمل
عز الدين :- حَسَنٌ…سأنضم لسلك الشرطة…لكن هدفي هو إيجاد راتب أجمع منه المال،لابتاع بندقية خاصة.
صمت والده…
ـــــــــــــــــ

كان يوما خريفيا جميلا،عندما قدم عز الدين الى البيت وهو في فرح شديد،ينادي أُمه وهو ما زال على درجات البيت و يقول بأعلى صوته :-
أُمي… أُمي … لقد جاءت العروس… لقد جاءت العروس…
ذهلت الام … ووقفت صامته وهو يدخل عليها ببندقيته الجميلة يقبلها ويقول لامه :-
اسمعيني الزغاريد…
فما كان من الام التي خفق قلبها خوفا عارما الا أن بدأت تزغرد له وهو يرقص بها
قّبَّلَ رأس أمه. وقال :- …لقد أصبح الان عندي بندقية…إمسكيها…
أمسكتها فقال:- من الان فصاعدا ستعتنين بها …سأعلمك كيف تُنَظْفْ،وكيف تُعبأ…كيف تكون مهيأةً للإطلاق… كيف وكيف وكيف… أنا وأنت سنعتني بالعروس الجميلة…
وأخذ يرقص مع أمه والبندقية وهما يغنيان ” على الشهادة تبايعنا إحنا وكلُّ الكتيبة…نحمي حمى مخيَّمنا جنين الثورة الرهيبة ”
ـــــــــــــــــــــ
القسم يكون في الشهادة في أي أمر من أمور الحياة سواء المختلف عليها،أو العهود والمواثيق أو الاخلاص والانتماء لشرف المهنة والعمل،لكن أن يكون القسم وبحضور شهود على أن تكون هذه البندقية للقتال في سبيل الله فقط،فهذا فريد،وقد لا يحصل إلا نادرا ،وفي بيت عز الدين…
أقسم عز الدين على أن لا تكون هذه البندقية الا للجهاد في سبيل الله والوطن…على هذا لم يعد والده ولا اخوته الذين يكبرونه يتعرضونه أو يحاولون التأثير عليه…،فكان للقسم ما بعده الاتي المنتظر…
كان مساء الاربعاء الخامس والعشرين من شهر كانون ثان من العام 2023،والد عز الدين الذي يعمل ضابطا في مقر الرئاسة في رام الله،شعر برغبة غريبة للعودة الى البيت دون أن يجد تفسيرا لهذا الشعور،نظر الى الساعة وقد قاربت السادسة مساء،فتوجه الى غرفته وحزم حقيبته،وتحرَّك نحو مآراب السيَّارات العمومي ليجد هناك السيّارة الاخيرة التي تنقل الركاب من رام والله الى جنين وبالعكس،وما أن وصلت الساعة التاسعة مساء،حتى كان في بيته وبين أبناءه،وجد الجميع في البيت،فحَضَّرت لهم “اُم إياد”طعام العشاء،فتناولوا الطعام معا في جو متناقض من الشعور،في الداخل قلق وتوجس في نفسية الام والأب والاخوة،وفرح وبهجة غير مسبوقة لدى عز الدين…عند الانتهاء من وجبة العشاء،شرع عز الدين بالغناء مع اولاد اخيه الثلاث “على الشهادة تبايعنا “…وساق جميع افراد العائلة لفرحه وغبطته،بقي يُغني حتى أنهكه التعب…ذهب الى غرفته وأمسك جهازه النَقّال…ثم خرج للاستحمام عند الساعة الثانية عشر ليلا… تماما كما فعل نور عندما عاد لبيته قبل إرتقاءه بساعات،استحم ونام ساعات قليلة،ثمَّ استيقظ واشتبك ورحل…
طلب عز الدين من أُمه أن تتابع جهاز الارسال الذي يتواصل به مع رفاقه من المقاومين،وأن تتابع أيضا الرسائل القادمة على صفحات المجموعات،خاصة وأن هناك تحذيرات تفيد بوجود وحدات اسرائيلية خاصة قرب المدرسة الماليزية في حي السويطات في جنين…دخل وإستحم ثم خرج …
قال لامه وهو يجفف شعره بعد الاستحمام :- لو سمحتي… أريد شربة ماء
فأسرعت الام وأحضرت له كوبا كبيرا من الماء…
شربه على دفعات،وحدق في عينيّ أُمه وقال لها :-
قد يكون هذا الماء آخر نصيبي من الدنيا…
قالت له وهي تبلع جزعها :- لا تقل هذا الكلام يا عز…
كان شقيقه الاكبر اياد حاضرا ،فقال لامه :-
أمي،بالأمس كنت منهمكا في ترتيب قبريّ الشهيدين الاستاذ جواد و المقاتل أدهم في مقبرة المخيّم،فجاء عز الدين وقال لي :-
إختر لي مكان دفني يا أخي
فتلفت الى الخلف وأنا ابتسم،وأشرت له مازحا إلى مكان قريب من حائط المقبرة فابتسم
فقال لي: لماذا هناك بالذات ؟؟
فقلت : حتى نعلق لك الصور على الجدار
فصرخت الام… :- كفوا عن هذا الكلام…
تجاوزت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل،آن آوان المغادرة،لابد لعز الدين ألآن ان يلتحق بزملائه ورفاق دربة حراس المخيّم…إرتدى سترته الواقية ولباسة الاسود،وحذاءه الثقيل،وامتشق بندقيته وهم َّبالخروج،فطلب منه أحد اخوته ان يكشف له الطريق المحيط بالمنزل اولا…ففعل،ثم خرج عز لاخر مرة من البيت وقد ارسل ابتسامة وداع وكلِّ العائلة ترقبه…خرج من الباب الرئيسي والتف حول المنزل غربا،وسار في الزقاق،وأمه تكاد تخرج من النافذة وهي ترقبه إلى أن دخل الزقاق الفاصل بين بيت أبو فادي وأبو الهيجاء،والمؤدي الى حواري المخيّم الغربية،وعندما غاب عن عين أُمه سمعت صوت البوابة الفاصلة والتي اعتاد عز أن يغلقها بصوت مسموع وهو يدخل المخيَّم من تلك الجهة…
ذهب لبيت صديقه إيهاب،وقاما بالتنقل بسيّارة إيهاب في المدينة،واشتريا بعض الاغراض…وعندما خرج من السوبرماركت أجرى اتصالا مع صديق له من المخيَّم يؤدي مناسك العمرة،وشاهد في تلك المكالمة المرئية الكعبة والطواف،فشده ذلك كثيرا،وأيقظ في نفسه بعض الذكريات،وتمنى أن يكون معهم،ثم عادا الى بيت إيهاب،وبقيا فيه حتى صدح المؤذن بآذان الفجر،فتوضأ وصلا معا،وبقيا في حديث وذكر حتى السابعة تقريبا…فقد سمعا صوت اطلاق نار،وفهما أن الوحدات العسكرية الخاصة قد اقتحمت المخيّم وصلا لبيت المرحوم أبو سمير الصباغ الواقع في جورة اللذهب،والذي لا يبتعد عن مكان تواجدهما عشرات الامتار،فهيأ عز سلاحه،وخرج عليهم عدوا ً دون تردد أو حذر،دخل الزقاق الاول،زقاق بيت الفران،فأمطرهم بالرصاص،ثم استدار ودخل زقاق بيت أبو سرية،وأمطرهم بالرصاص مرة ثانية،ولم يكتفي،بل استدار مرة ثالثة،ودخل بشكل واضح من جانب بيت الناطور،حتى وصل الى أمام منزل صديقه عبود مشارقة،ووقف على باب بيت عائلة الفايد المجاور…ليكون على بعد أمتار منهم …تقدم،اطلق ألنار،ورجع خطوة للخلف ليحتمي بالجدار…واستعد لإطلاق النار ثانية…كانت هناك مجموعة من الوحدات العسكرية الخاصة قادمة من الخلف،وعندما اطلق النار إنكفئوا للخلف،إلا واحدا منهم،اختبأ خلف سيارة تقف جانب الطريق…لم يشاهده أو يلحظه عز،فأطلق النار فورا على رأس عز فهوى ،وأتبعه بأربع رصاصات أخرى،إثنتان في الخاصرة،وواحدة أسفل الصدر،وأخيرة في القدم…
دام اشتباك عز خمسة عشر دقيقة من الساعة السابعة وثلاث دقائق الى الساعة السابعة وثمانية عشر دقيقة…أفرغ فيها عز ثلاثة مخازن من الرصاص الا سبع حبات…
عند الساعة السابعة بالتمام والكمال،وقبل استشهاده صرخت أُمه في بيتها :-
عز استشهدت…
وأسرعت لارتداء ملابس الصلاة،وخرجت مسرعة،فأوقفت حافلة تقل اطفال الروضة،وطلبت من السائق نقلها لمشفى ابن سينا حالا…وهي تقول عز استشهد،وهو لم يشتبك بعد …فلحق بها اولادها…
في السابعة والثلث،ورد للأب اتصال يفيد ان إبنه أصيب،كان الاتصال من صديقه عبود…
رد الاب :-
بل استشهد عز…عز لم يُصب…لا تكترث عمي عبود،أنا متماسك ومتوقع ذلك…المهم أين إبني الآن ؟؟
قال عبود : هو في بيتنا … لقد نجحنا في سحبه وإدخاله إلى البيت حتى لا يُعْتَقَلْ جثمانه
فرد والده : أحسنتم…لا أريد لجسد ولدي أن يعتقل ويكون حيزا في الثلاجات،أو رقما في مقبرة الارقام…
لقد حطَّم المحتل حلماً غضاً طرياَ لشاب من فلسطين،ولم يكتفي بذلك،بل أزهق روحه بعد أن أوجع شبابه،تماما كما يُحَطِّمُ كل يوم،ويوجع كل يوم أمل شعبٍ تواقٍ للحريةٍ والتحريرِ والعودة.