جاري التحميل...

أصوات من تحت الركام : القيامة… غزة، المقبرة التي ما زالت تتنفس

بقلم الدكتور – حسن العاصي

أكاديمي وكاتب فلسطيني

ليس كل الحزن يُرى بالعين، فبعضه يختبئ في زوايا البيوت الموحشة، وفي الأسرة التي غاب عنها أصحابها، وفي الأطباق التي بقيت على الموائد تنتظر من لن يعودوا إليها أبداً. هناك المؤجلة ، حيث تتكئ الأرواح على ما تبقى لها من صبر، وحيث ينام التعب في عيون الأمهات ولا ينام الوجع في قلوبهن، تتراكم الخسارات فوق الخسارات حتى يصبح الفقد جزءاً من تفاصيل اليوم العادي. هناك من يفتح عينيه كل صباح ليكتشف أن شخصاً آخر صار ذكرى، وأن حلماً آخر انطفأ، وأن صفحة جديدة من الحزن قد كُتبت على جدار القلب. وحين يبلغ الألم هذا الحد، لا يعود البكاء كافياً لوصف ما يحدث، ولا تكفي الكلمات لحمل هذا القدر الهائل من الوجع الإنساني الذي يئن تحت ثقله البشر والحجارة والذكريات.

 

غزة… حين يصبح الحزن عنواناً لوطن كامل

في هذا الركن الصغير من العالم، حيث تتعانق السماء مع البحر، تقف غزة اليوم مثقلةً بالوجع، كأمٍ أنهكها البكاء حتى جفّت دموعها ولم يجفّ حزنها. هناك، لا يستيقظ الناس على أصوات الحياة كما يفعل الآخرون، بل على قلقٍ دائم يسكن القلوب، وعلى خوفٍ ينام مع الأطفال ويصحو معهم.

هناك أمهات ينتظرن أبناءً لن يعودوا، وآباء يحملون فوق ظهورهم أوزاناً من العجز لا تقوى الجبال على حملها، وأطفال ينامون وهم يعانقون الخوف بدلاً من الدمى. هناك قلوب أنهكها الانتظار، وأرواح لم تعد تطلب الكثير من الحياة سوى يومٍ واحد لا يمتلئ بالفراق.

غزة ليست مجرد مكان على الخريطة، بل حكاية شعب يوقظ العالم كل يوم بأسئلته الثقيلة عن العدالة والرحمة والإنسانية. في أزقتها تختبئ آلاف القصص التي لم تُكتب، ووراء كل نافذة حكاية قلبٍ ينتظر الأمان، ووراء كل باب حلمٌ صغير يحاول النجاة من ركام الألم.

في غزة، لم يعد الناس يعدّون الأيام كما يفعل البشر في بقية العالم، بل يعدّون الغائبين، ويحصون ما تراكم في قلوبهم من أوجاعٍ وذكرياتٍ وفقدٍ لا ينتهي.

هناك، كل صباح يحمل اسماً جديداً إلى قائمة الفقد، وكل مساء يترك قلباً آخر يتيماً في مواجهة الليل. في غزة، لا تسأل الأم أبناءها ماذا يحلمون أن يكونوا عندما يكبرون، لأنها تخشى أن يسبقها الخوف إلى الإجابة. لا تبحث عن الضحكات في وجوه الأطفال، بل ابحث عن الأعمار التي سُرقت منهم قبل أن يعرفوا معنى الطفولة، وعن العيون الصغيرة التي حفظت مشاهد الحزن أكثر مما حفظت ألوان اللعب والفرح.

وحين تنظر إلى غزة، لا ترى حجارةً مهدمة أو طرقاً متعبة فحسب، بل ترى وجوهاً أنهكها الانتظار، وعيوناً تبحث عن بصيص أمل وسط عتمة طويلة، وأرواحاً ما زالت تقاوم الانكسار رغم كل ما حملته من أحزان. هناك، في كل بيت قصة موجعة، وفي كل قلب ندبة، وفي كل أم دعاء لا يغادر السماء، لعلّ يوماً يأتي يحمل لأطفالها ما حُرموا منه طويلاً: حياةً عادية، ودفئاً آمناً، ومستقبلاً لا تظله الخسارات.

هناك أمهات ينتظرن أبناءً لن يعودوا، وآباء يحملون فوق ظهورهم أوزاناً من العجز لا تقوى الجبال على حملها، وأطفال ينامون وهم يعانقون الخوف بدلاً من الدمى. هناك قلوب أنهكها الانتظار، وأرواح لم تعد تطلب الكثير من الحياة سوى يومٍ واحد لا يمتلئ بالفراق.

حين تُذكر غزة، لا يتبادر إلى الذهن اسم مكان، بل صورة أمٍ تبحث بين الركام عن أثرٍ من طفلها، ودمعة أبٍ يحاول أن يبدو قوياً بينما ينهار ألف مرة في داخله، ووجوه شاحبة فقدت من تحب وفقدت معها جزءاً من نفسها. إنها أرضٌ أثقلها الحزن حتى كاد ينحني بها، وأوجعها الفراق حتى صار وجعها لغةً يفهمها كل قلب ما زال فيه شيء من إنسانية.

غزة ليست بحاجة إلى من يصف مأساتها، فالحزن فيها تجاوز حدود الوصف. إنها جرحٌ مفتوح في ضمير العالم، وحكاية شعبٍ يقف بين الحياة والموت حاملاً ما تبقى من أملٍ بيدٍ، وما تبقى من صبرٍ باليد الأخرى. وحين تنظر إليها طويلاً، تدرك أن أكثر ما يوجع في غزة ليس حجم الدمار، بل ذلك القدر الهائل من الأحلام التي كانت تريد فقط أن تعيش… ثم وجدت نفسها تُدفن قبل أن ترى النور.

غزة اليوم ليست خبراً عابراً يُقرأ ثم يُنسى، بل جرحٌ إنساني مفتوح، يذكّر العالم بأن خلف الأرقام أسماء، وخلف الإحصاءات أرواح، وخلف العناوين وجوهاً وقلوباً وأحلاماً كانت تريد فقط أن تعيش كبقية البشر. وبينما تتعاقب الأيام فوق هذا الألم، يبقى السؤال الأكثر إيلاماً معلقاً في الضمير الإنساني: كم من الوجع يمكن لشعبٍ كامل أن يحمله وهو ما زال متمسكاً بالحياة؟ وكم من الحزن يمكن لقلبٍ واحد أن يحتمل قبل أن يعجز عن البكاء؟

 

أطفال يحملون أعماراً أكبر من أعمارهم

في غزة، لا تُقاس أعمار الأطفال بعدد السنوات التي عاشوها، بل بعدد الأحزان التي مرّت فوق قلوبهم الصغيرة. هناك أطفال كان يفترض أن تكون أكبر مخاوفهم امتحاناً مدرسياً أو لعبةً ضاعت منهم، لكنهم وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام الخوف والفقد والأسئلة التي يعجز الكبار عن الإجابة عنها. عيونٌ صغيرة كان يجب أن تنعكس فيها ألوان الرسوم المتحركة وأحلام المستقبل، فإذا بها تمتلئ بصور الوداع والانتظار والقلق الذي لا ينتهي.

هناك طفل ما زال يحتفظ بمقعدٍ فارغ إلى جواره على أمل أن يعود من غاب عنه، وطفلة ما زالت تنادي باسم من تحب كلما اشتاقت إلى صوتٍ كان يملأ قلبها دفئاً وأماناً. هناك أطفال استيقظوا على عالمٍ مختلف تماماً عن ذلك الذي ناموا فيه، عالمٍ صار أثقل من أعمارهم، وأقسى من قدرتهم على الفهم والاحتمال. وبينما ينشغل أطفال العالم برسم أحلامهم على الورق، ينشغل أطفال غزة بمحاولة الاحتفاظ بما تبقى من طفولتهم قبل أن تبتلعها الأيام.

وما يوجع أكثر أن هؤلاء الصغار لا يدركون تماماً حجم المأساة التي يعيشونها، لكنهم يشعرون بها في تفاصيلهم اليومية كلها؛ في الصمت الذي حلّ مكان أصوات كانوا يحبونها، وفي الأماكن التي أصبحت تحمل الذكريات أكثر مما تحمل البشر، وفي ذلك الحنين المبكر الذي لا ينبغي لطفل أن يعرفه. إنهم يكبرون بسرعة لا لأن الزمن يمر، بل لأن الحزن يركض في أعمارهم ركضاً، فيترك على أرواحهم آثاراً قد تبقى معهم ما بقيت الحياة.

وحين تنظر إلى وجوههم، تشعر وكأن الطفولة نفسها تقف باكية. فبعض العيون الصغيرة لم تعد تسأل عن الألعاب والهدايا، بل عن الطمأنينة، وعن يومٍ عادي يشبه أيام الأطفال في بقية العالم. وهذا وحده كافٍ ليكشف حجم الوجع؛ أن يصبح الحلم الأكبر لطفلٍ بريء هو أن يعيش طفولته فقط، بلا خوف، وبلا فراق، وبلا حزن أكبر من قلبه الصغير.