بقلم : تالا هيثم فضل المصري – خانيونس
ليس التراثُ ما خلّفه الأجدادُ وراءهم ، بل ما لم يغادرونا قطّ؛ هو الغائبُ الذي يسكن الحضورَ كما يسكن العطرُ الوردةَ بعد ذبولها .
في فلسطين ، لا تُورَّث الأشياءُ بل تُورَّث الأرواحُ في هيئة أشياء . الثوبُ المطرَّز قصيدةٌ صامتة نظمتها الجدّةُ بالخيط على بحرٍ من القماش ، فجاءت كلُّ وردةٍ فيه قافيةً ، وكلُّ غرزةٍ تفعيلةً ، وكلُّ قريةٍ ديواناً يُعرَف صاحبُه من لونه كما تُعرَف القبيلةُ من لهجتها . والكوفيّةُ ليست رداءً للعنق ، بل ظلٌّ مصغَّر للأرض ، يلفّ الرجلَ كما تلفّ الجبالُ واديَها .
وللزيتونة في وجداننا مقامُ الأمّ الكبرى ؛ تقف على التلّ كأنّها شيخٌ جمع من الأعوام ما لا تسعه الأرقام ، وفي لحائها الملتوي حكمةُ من فهم أنّ الاعوجاجَ أحيانًا هو أصدقُ أشكال الاستقامة . وزيتُها ذهبٌ سائل لا يشبه الذهبَ في شيء ، فهو لا يُخزَّن في الخزائن بل يُوزَّع على الموائد ، لأنّ الكرمَ عندنا عملةٌ أقدمُ من النقود .
وفي المطبخ تُقام أعظمُ الطقوس : رائحةُ الزعتر تنهض مع الفجر كأنّها نشيدُ الصباح ، والخبزُ يخرج من الطابون كأنّه شمسٌ صغيرة طُهِّرت بالنار لتصلح للعائلة ، والمقلوبةُ التي تُقلَّب على الصينيّة احتفالٌ مهيبٌ ، يُرفَع فيه القدرُ كما يُرفَع الستارُ عن مسرحٍ يعرف جمهورُه النهايةَ ويصفّق للجمال مع ذلك .
أمّا الحكاياتُ فهي المعمارُ الذي لا يُهدَم ؛ تبنيها الجدّاتُ في الليالي الطويلة طابقًا فوق طابق ، حتى يصير في كلِّ طفلٍ بيتٌ من الأساطير يسكنه إلى آخر العمر . والمَثَلُ الشعبيّ جوهرةٌ صغيرة صقلتها قرونٌ من التجربة ، تُقال في سطرٍ واحد ما تعجز عنه المجلّدات .
وهكذا يبقى التراثُ الفلسطينيّ نهراً خفياً يجري تحت جلد الأيام ؛ مَن شرب منه لم يعطش إلى هويّته أبداً ، ومَن وُلد على ضفافه حمل النسبَ في دمه كما تحمل الأصدافُ البحرَ في أحشائها … وإن ابتعدت عنه ألفَ عام .
التراثُ هو الوطنُ حين يُجيد التخفّي في تفاصيلنا : في غرزةٍ ، في رائحةِ زعتر ، في لهجةِ أمٍّ ، فلا يجد الغريبُ إليه سبيلاً . ونحن لا نحمله على أكتافنا ، بل يحملنا هو ، كما يحمل النهرُ ضفافَه ولا يدري الناسُ أيّهما يُمسك الآخر . وما الأرضُ إلا ثوبٌ كبير ، وكلُّ فلسطينيٍّ غرزةٌ فيه ؛ فإن نُزعت غرزة ، بكى الثوبُ كلُّه وظلّ مكانُها يحمل اسمَها .