أكاديمية القطط السمان…

بقلم: شادي عياد

في مزرعةٍ كبيرة اسمها السياسة حيث تُفتح الأبواب لكل شيء إلا للضمير تتربع القطط السمان فوق الأسوار العالية، تراقب المشهد بعيون نصف مغمضة وكأنها صدّقت أن الوطن خُلق كي يمرّ دائمًا من تحت مخالبها وأن الناس وُجدوا فقط ليصفقوا كلما ازداد وزنها.

فهذه ليست قططًا عادية بل سلالة أتقنت السمنة على حساب التعب العام وهي تقتات على الوقت الضائع من عمر الشعوب وعلى أعصاب الناس المكلومة وعلى عمر القضايا المؤجلة وتحسن تحويل الوجع الوطني إلى بروڤة يومية للتمويه.

في هذه المزرعة لا يُقاس النجاح بما أُنجز ان كان هناك ما انجز اساساً بل بقدرة بعضهم على تسويق العجز بوصفه حكمة وتغليف الفشل بورقٍ ذهبي اسمه “المرحلة الحساسة”، ثم بيعه للناس كأنه فتحٌ سياسي عظيم.

ومن هنا نشأت الأكاديمية غير المعلنة للقطط السمان حيث تُدرَّس مواد لا تُكتب في الكتب ولا تدرس في الجامعات ولكنها محفوظة عن ظهر قلب.

أولًا: مساق تحويل الفشل إلى بطولة شخصية.
كيف تخرج من كل أزمة بصورة أكبر من الحقيقة وكلام أطول من الإنجاز المفقود وضجيج يكفي ليخفي الفراغ الدائم حتى يظن السامع أن الضباب مشروع وطني كبير .

ثانيًا: مساق الوطنية أثناء الضجيج.
وهو من أخطر المساقات حيث يُطلب من الطالب أن يرفع صوته عاليًا حتى لا يسمع أحد صوت التقصير وهو ينهش الجدارن من الداخل.

أما أذناب الانقسام فهم فصيل مميز من القطط السمان وهم في الجناح الأكثر دفئًا في هذه المزرعة. لا يصنعون مشروعًا ولا يرممون صدعًا ولا يبنون جسرًا ولكنهم بارعون في إبقاء الشروخ مفتوحة، لأن رزقهم السياسي ينمو في المسافات بين الإخوة ويزدهر كلما طال الليل على البيت الواحد.

والمفارقة الأكثر سوادًا أن الاحتلال في الأمس فقط أقرّ قانون الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين في محاكمه العسكرية العنصرية ليضيف فصلًا جديدًا من القسوة المنظمة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل إلا من القطط السمان بينما كانت بعض هذه القطط ما تزال مشغولة بوزن البيانات وترتيب العبارات وتوزيع أدوار الضجيج قبل سفرها للاطمئنان على أبناءها او أصهارها في احدى السفارات الفلسطينية .

فهنا لا تصبح الخيانة فقط في السرقة بل في القدرة على تحويل الخطر الوجودي إلى خبر عابر يمرّ تحت الطاولة وكأن أعناق الأسرى مجرد هامش في دفتر مصالحهم الثقيلة.

لكن ما لا تفهمه هذه القطط أن الشعب الفلسطيني ليس ذاكرةً قابلة للتجميد ولا وعيًا يُخدّر إلى الأبد. هذا شعب يحفظ أسماء الشهداء ووجوه الأسرى وحجارة الأزقة القديمة ولن يعجز عن حفظ وجوه من سمِنوا على حساب وجعه.

قد يصبر طويلًا وقد يمنح الفرص وقد يراقب بصمت لكنه حين يقرر أن يفتح دفتر الحساب فإن اصطياد القطط السمان يصبح مسألة وقت قصير فقط.

وهنا تبدأ الحقيقة التي يهربون منها:
أن الشعب الفلسطيني ومن خلفه القضاء الفلسطيني وبإسناد واضح من الرئيس الفلسطيني وصقور حركة فتح لن يترك هذه المزرعة للفوضى طويلًا ولن يسمح أن تبقى القطط السمان فوق القانون أو فوق المساءلة.

فالأوطان لا تُدار بالضجيج ولا تُحمى بالشعارات .بل تُصان حين تتحول الإرادة إلى فعل والصبر إلى قرار والغضب الشعبي إلى لحظة عدالة لا مفر منها.

وفي الطابق الأعلى حيث الجلسات الهادئة والضحكات الخافتة ما زالت القطط السمان تظن أن السجادة السميكة قادرة على إخفاء آثار الأقدام لكنها تنسى الحقيقة الأثقل:

أن لحظة سقوط القطط السمان لا تأتي من الخارج بل تبدأ من الداخل حين يقرر الوطن أن يستعيد نفسه.

وحين يجوع الوطن لا يرحم من أكلوا من عمره.