جاري التحميل...

ألبانيزي : المحكمة الجنائية خذلت الشعب الفلسطيني

السياسي – قالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، إن المحكمة الجنائية الدولية “خذلت الشعب الفلسطيني”، معتبرة أنها تأخرت في التحقيق في قتل الصحافيين واستهداف المؤسسات الإعلامية، رغم إحالة قضايا إليها قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وجاءت تصريحات ألبانيزي خلال مؤتمر صحافي شاركت فيه افتراضياً، لإطلاق تقريرها الجديد بشأن استهداف الصحافيين وتدمير البنية الإعلامية في الأرض الفلسطينية المحتلة، وما وصفته بتحويل الإعلام إلى أداة لحجب الانتهاكات أو تبريرها. وقالت إنها لم تتمكن من الحضور إلى مقر الأمم المتحدة بسبب العقوبات التي فرضتها عليها الإدارة الأمريكية، مؤكدة أن ذلك لن يمنعها من مواصلة عملها.
وبشأن قضية الصحافية شيرين أبو عاقلة، قالت ألبانيزي إنها لا تملك تحديثاً جديداً، رغم التحقيقات التي أجرتها مؤسسات، بينها مؤسسة “الحق” و”فورينزيك أركيتكتشر”. وأضافت أن عدد الجنود الذين كانوا في المركبة العسكرية التي أُطلقت منها النار معروف، وأن هوية أحد المسؤولين عن قتلها باتت معروفة بصورة شبه مؤكدة، لكن من دون اتخاذ إجراءات قضائية.
ووصفت استمرار غياب المساءلة بأنه “إفلات من العقاب” لا يقتصر، بحسب قولها، على إسرائيل، بل يشمل الولايات المتحدة أيضاً. وكانت أبو عاقلة قد قُتلت أثناء تغطيتها عملية عسكرية إسرائيلية في مخيم جنين من دون توجيه اتهام جنائي إلى أي شخص في القضية.
وبشأن منع الصحافة الأجنبية من دخول غزة، قالت ألبانيزي إن ذلك يعكس رغبة إسرائيل في حجب ما يجري داخل القطاع. لكنها شددت على أن وجود صحافيين أجانب ليس ضرورياً لإثبات صحة ما وثقه الصحافيون الفلسطينيون، ولا يمكن أن يكون بديلاً عن معرفتهم المحلية وخبرتهم بالسياق.
وأضافت أن قتل أعداد كبيرة من الصحافيين الفلسطينيين أدى إلى فقدان معرفة وخبرة لا يمكن استعادتهما، وجعل الوصول إلى تحليل دقيق ومتكامل أكثر صعوبة، حتى مع استمرار عدد محدود من الصحافيين في العمل داخل غزة. واعتبرت منع الإعلام الأجنبي من الدخول أمراً “غير مقبول”، متسائلة في الوقت نفسه عن سبب عدم ممارسة المؤسسات الإعلامية الغربية ضغطاً أكبر للوصول إلى القطاع.
وأطلقت ألبانيزي على النمط الذي تناوله تقريرها مصطلح “إبادة الإعلام”، وعرّفته بأنه التدمير المنهجي لوظيفة الإعلام العامة وتحويله إلى وسيلة يمكن من خلالها إخفاء الفظائع أو تطبيعها أو تبريرها. وأضافت أن استهداف وسائل الإعلام خلال الجرائم الجماعية قد يرتب مسؤوليات قانونية، مستشهدة بما توصلت إليه المحاكم الدولية في قضيتي رواندا ويوغوسلافيا السابقة.

وبحسب الأرقام التي عرضتها استناداً إلى مصادر أممية، قُتل قرابة 300 صحافي وعامل في وسائل الإعلام في غزة، إلى جانب أكثر من 700 من أفراد عائلاتهم. وقالت إن 70 صحافياً قُتلوا انتقاماً من عملهم، سواء داخل منازلهم أو في خيام مخصصة للإعلاميين أو في ضربات استهدفت مواقع وجودهم، فيما اعتُقل أكثر من مئة صحافي وتعرض عدد منهم للتعذيب.
وفي الضفة الغربية، أشار التقرير إلى تسجيل أكثر من 139 اعتداء على صحافيين نفذها مستوطنون وجنود إسرائيليون. أما في غزة، فقالت ألبانيزي إن إسرائيل دمرت 150 مقراً ومركزاً إعلامياً، بما يعادل نحو 80 في المئة من البنية التحتية الإعلامية في القطاع، إلى جانب شبكات الاتصالات والوصول إلى الإنترنت.
وتناول التقرير كذلك الرقابة المفروضة داخل إسرائيل، إذ قالت المقررة الخاصة إن أكثر من 1600 مادة صحافية مُنعت، بينما خضعت أكثر من 1100 مادة للحذف أو التعديل. وأضافت أن عام 2024 شهد منع أو تنقيح ما معدله 21 مادة إخبارية يومياً.
كما اتهمت منصات رقمية وشركات تواصل اجتماعي بالمساهمة في تقييد المحتوى المتعلق بفلسطين، وقالت إن نحو 38.8 مليون منشور على “فيسبوك” و”إنستغرام” تعرضت للحذف أو التقييد. وأفادت بأن طلبات الحكومة الإسرائيلية لإزالة محتوى قُبلت بنسبة 99.2 في المئة لدى “تيك توك” و94 في المئة لدى شركة “ميتا”، وفق البيانات الواردة في تقريرها.
وتوقفت ألبانيزي عند مقتل الصحافي الفلسطيني أنس الشريف وخمسة من زملائه في ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت خيمة للصحافيين قرب مستشفى الشفاء في العاشر من آب/ أغسطس 2025. وقالت إنه تعرض قبل مقتله لحملة تشكيك وتهديدات، معتبرة قصته واحدة من مئات الحالات التي يوثقها التقرير.
وقالت ألبانيزي إن إزالة الركام وإعادة ترتيب بعض المناطق قد تؤدي، وفق تقييمها، إلى طمس أدلة متعلقة بجرائم محتملة. كما انتقدت ما وصفته بالمعايير المزدوجة لدى قطاعات من الإعلام الغربي، موضحة أن بعض المؤسسات قد تساهم في تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم حتى من دون أن يكون ذلك قراراً واعياً أو مقصوداً.
ودعت ألبانيزي إلى تفعيل مبدأ التكامل، الذي يعني أن القضاء الدولي يعمل إلى جانب المحاكم الوطنية ولا يحل محلها، وإلى استخدام الولاية القضائية العالمية، التي تسمح لبعض الدول بالتحقيق في جرائم دولية خطيرة حتى إن ارتُكبت خارج أراضيها.
وقالت إن المحاكم الوطنية يجب أن تحقق، إذا توافرت الأدلة، مع مواطنيها الذين خدموا في الجيش الإسرائيلي وربما ارتبطوا بجرائم، بما فيها الانتهاكات المرتكبة بحق الصحافيين. وأضافت أن منظمات ومحامين في دول عدة يجمعون الأدلة تمهيداً لتحريك قضايا وطنية، مؤكدة ضرورة عدم توفير ملاذ آمن لأي شخص يشتبه في ارتكابه جرائم فظيعة.
كما أوصت بأن يحقق مدعي المحكمة الجنائية الدولية في التحريض العلني والمباشر على الإبادة الجماعية، سواء صدر عن مسؤولين حكوميين أو شخصيات إعلامية. وقالت إن هذا الملف ينبغي أن يكون ضمن أولويات المحكمة، حتى مع الضغوط والقيود التي تواجه عملها.
وفي ختام مؤتمرها الصحافي، عاتبت ألبانيزي وسائل الإعلام على غياب عدد كبير من ممثليها عن المؤتمر، كما أشارت إلى أنها لم تجد من يدافع عنها من ممثلي الدول خلال عرض تقريرها أمام اللجنة الثالثة، الاثنين، رغم تعرضها لهجوم شخصي واسع من المندوب الأمريكي، أعقبه هجوم أشد حدة من المندوب الإسرائيلي.