في عالمٍ متخم بالشعارات الصلبة والأقنعة المحكمة، يُفترض بالإنسان أن يكون كائناً متماسكاً، صلباً كالجدار، لا يتصدّع، ولا ينكسر، ولا يسمح للضعف أن يتسرّب إلى ملامحه. هذا الافتراض، الذي بات شرطاً غير مكتوب للحضور الاجتماعي والسياسي، يضع على الكائن عبئاً وجودياً يتجاوز قدرته، ويحوّله إلى مسرحٍ لإنكار ذاته الحقيقية. وفي هذا السياق تتردّد أصداء الشكوى التي عبّر عنها جلال الدين الرومي في قوله: «أيها اللاشيء الثقيل، من أخبرك أنّ صدري متين؟»، وكأنّ الشاعر هنا يستنطق الصمت الذي يخنق الإنسان في عصرٍ لم يعد يعترف بالهشاشة إلا بوصفها نقيصة.
الذات تحت وطأة الثقل
الثقل هنا لا يحيل إلى شيءٍ مادي فحسب، بل إلى ما يسمّيه بعض الفلاسفة، مثل جان بول سارتر، بـ«العبء الوجودي»، أي ذلك الإلزام الدائم بالصيرورة، وبأن يكون الإنسان شيئاً ذا معنى في عالمٍ لا يعترف إلا بالقوة والصوت المرتفع. إنّ المجتمع، كما يرى هربرت ماركوز، لا يتيح للفرد فرصة البوح أو الانكسار، بل يفرض عليه أن يرتدي درعاً أيديولوجياً من الصلابة الكاذبة.
هنا يتحوّل الإنسان إلى مشروع إنكار دائم، وإلى حالة مستمرة من الخضوع لصورة مثالية يُروَّج لها في الإعلام والسياسة والدين والمؤسسات الأسرية. هذه الصورة تُقدَّم بوصفها «الطبيعة البشرية»، في حين أنّها ليست سوى نتاجٍ لعقودٍ طويلة من الهيمنة الرمزية. وهكذا يصبح «اللاشيء الثقيل» ـ بحسب وصف الرومي ـ رمزاً لكل خطابٍ يُسقط على الإنسان حمولةً لا تُحتمل، باسم الرجولة، أو العقل، أو الإيمان، أو الوطنية.
في نقد الجدار: من متانة الظهر إلى انكسار الروح
من قال إنّ «الظهر جدار لا يُهدّ»؟ ومن صاغ هذه الاستعارة الخانقة التي تجرّد الذات من حقها في الانهيار؟ لقد فتحت الفلسفة الحديثة، وخصوصاً مع فريدريك نيتشه، الباب لإعادة التفكير في الهشاشة بوصفها قيمة وجودية لا عاراً أخلاقياً. يرى نيتشه أنّ القوة لا تكمن في الصمود الأبله، بل في القدرة على مواجهة الانهيار والعودة منه أكثر وعياً. أمّا التحصّن الدائم فليس سوى نوعٍ من الجبن المعرفي، وهروبٍ من مواجهة الذات العارية.
إنّ هذا الجدار، الذي يُطلب من الإنسان أن يكون «رجلاً» بالمعنى السلطوي للكلمة، هو في جوهره بناءٌ سياسي ـ ثقافي. فالسلطة، كما يراها ميشيل فوكو، لا تكتفي بالتحكّم بالأجساد، بل تعمل على تشكيل النفوس، وإعادة قولبة المشاعر، وتعريف ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان. ومن ثمّ، فالصلابة ليست خصيصة بيولوجية أو أخلاقية فقط، بل خطابٌ مفروض يتغلغل في التربية والسياسة والاقتصاد.
الهشاشة بوصفها فعل مقاومة
إنّ الاعتراف بالضعف يُعدّ خطوة فلسفية باتجاه التحرر. أن تقول: «قلبي يُكسر كجرّة طين»، هو إعلان تمرّد ضد الخطاب المهيمن الذي يفرض عليك أن تكون فولاذاً لا يصدأ. وهذا الإعلان لا يعني الانهزام، بل يمثّل موقفاً وجودياً يعيد للإنسان فردانيته الحقيقية.
لقد أشار مفكرون مثل سيمون فايل وألبير كامو إلى أنّ القدرة على تحمّل الألم لا تعني التماهي معه، بل تستلزم قول «لا» في وجه من يفرضه. فالهشاشة هنا ليست شكلاً من أشكال الهروب، بل تعبيراً عن مقاومة خفية، وعن تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أنّه لا يريد أن يكون ما يُفرض عليه أن يكونه.
خاتمة: الإنسان ككائن متصدّع لا يخجل من شقوقه
في زمن المظاهر الكبرى والأنظمة الشمولية التي تُبجّل «الإنسان النموذجي»، تبرز الحاجة الفلسفية والسياسية إلى أن نقول: لسنا متينين كما تظنون، ولا نريد أن نكون كذلك. فالإنسان ليس جداراً، بل كائن من لحمٍ وأحلامٍ وارتباك؛ قلبه ينكسر، وروحه تتعكّر، لكنه في ذلك تحديداً يجد إنسانيته.
وهكذا، فإنّ كل محاولة لإخفاء الهشاشة باسم القوة ليست سوى فعل قمع مزدوج: قمعٍ للذات، وقمعٍ لإمكانية أن يكون العالم أكثر رحمة.
فليكن انكسارك، أيها الإنسان، أول الطريق نحو حريتك.






