السياسي – تندلع أحيانًا فضيحة تهزّ الرأي العام لأسابيع أو أشهر، ثم تتلاشى سريعًا في زحام الأخبار وتدفّق الأحداث. لكن بعض الفضائح لا تمضي مرورًا عابرًا؛ لأنها لا تكشف خطأ فردٍ بقدر ما تفضح خللًا عميقًا في بنية النظام نفسه.
قضية جيفري إبستين واحدة من تلك النوافذ المظلمة التي انفتحت فجأة على عالمٍ خفي من الامتيازات المطلقة، حيث لا يشتري المال الرفاهية فحسب، بل يشتري الحصانة من القانون، ومن الأخلاق، ومن المساءلة.
من السهل اختزال القصة في سيرة رجلٍ منحرف استغل ثروته ونفوذه لإشباع نزواته. هذا التبسيط مريح أخلاقيًا؛ لأنه يسمح لنا بإلقاء اللوم على فردٍ واحد ثم طيّ الصفحة. لكن الحقيقة الأكثر إزعاجًا أن إبستين لم يكن استثناءً في بنية النظام، بل كان أحد تجلياته الأشد فجاجة.
تكشف قضية إبستين عن ظاهرة يمكن أن أسميه «طغيان ما بعد الرفاه»؛ تلك المرحلة التي يتجاوز فيها الثراء حدود الحاجة والأمان ليصبح أداةً للهيمنة على البشر أنفسهم. حين يبلغ المال مستوى يفقد معه صاحبه أي احتكاكٍ بالقيود الاجتماعية أو القانونية، يتحول إلى سلطةٍ موازية قادرة على إعادة تعريف الأخلاق ذاتها. هنا لا يعود القانون سقفًا للسلوك، بل مجرد تفصيلٍ إجرائي قابل للشراء أو الالتفاف.
من الناحية النفسية، لا ينتج الثراء الفاحش بالضرورة استقرارًا أو رضًا داخليًا، بل قد يخلق، في نفوس بعض أصحابه، شعورًا بالتفوّق المرضي والقدرة على الإفلات من العقاب. تتآكل الحدود الفاصلة بين الممكن والممنوع، ويتحوّل الإنسان الآخر إلى مجرد سلعة، أو وسيلة للمتعة، أو ورقة ضغط في لعبة السلطة والابتزاز. في هذه البيئة المغلقة تنشأ شبكات من أصحاب النفوذ، يتبادلون الخدمات والأسرار، ويحمي بعضهم بعضًا بحبالٍ من المصالح المتشابكة.
لهذا لم تكن «ملفات إبستين» مجرد وثائق عن شخصٍ واحد، بل نافذة على بنية كاملة من العلاقات الملتبسة بين المال والسياسة والإعلام والنفوذ. غير أن الضجيج الإعلامي الذي رافق القضية، والتضخيم المتعمد أحيانًا، والفبركات في أحيانٍ أخرى، شوّه الصورة بقدر ما كشفها. فبين نظريات المؤامرة والمبالغات، ضاعت الأسئلة الجوهرية: كيف سُمح لهؤلاء بالعمل سنواتٍ طويلة دون رقيب؟ من الذي وفّر لهم الحماية المؤسسية والقانونية؟
ولماذا تبدو العدالة بطيئة ومترددة حين يتعلق الأمر بالأقوياء؟
التركيز على الإثارة والفضيحة يحوّل القضية إلى حدثٍ عابر في ذاكرة الرأي العام، بينما المطلوب قراءة أعمق ترى في إبستين نموذجًا يتكرر بأسماءٍ مختلفة وأقنعةٍ متعددة. فالمشكلة ليست في «الرجل»، بقدر ما هي في الثقافة التي تمنح بعض الناس حصانة غير مكتوبة، وفي نظامٍ اقتصادي وسياسي يجعل الثروة الهائلة مرادفًا شبه آلي للنفوذ المطلق.
إبستين، بهذا المعنى، ليس قصةً انتهت بموته الغامض في زنزانته، بل مرآة تكشف خللًا مستمرًا في بنية النخبة العالمية. وما لم تُناقش العلاقة المختلّة بين المال والسلطة والمساءلة، فإن أسماءً أخرى ستظهر، وملفاتٍ جديدة ستُفتح، وسنكرر الدهشة نفسها كلما انكشفت فضيحة جديدة.
ربما السؤال الأصدق ليس: كيف سقط إبستين؟ بل: كم «إبستين» يعيش بيننا اليوم داخل منظومة تحميه وتسهّل له الطريق؟ وإلى متى سنكتفي بمحاكمة الأفراد، بينما تظل البنية التي أنتجتهم بمنأى عن المساءلة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي ما يفصل بين فضيحةٍ عابرة، ولحظة وعيٍ حقيقية بضرورة إعادة النظر في علاقتنا بالثروة، والسلطة، والعدالة.
-علاء خليل






