جاري التحميل...

إدمانُ القُبحِ واعتيادُ الرِّداء: حينَ يتحوّلُ التزييفُ إلى هُويّة

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليس القُبحُ دائماً ما تراه العينُ فتشمئزّ منه، كما أنّ الجمالَ ليس دائماً ما تستحسنه الحواس. ثمة قُبحٌ أعمق من ملامح الأشياء، يستقرّ في الوعي قبل أن يظهر في السلوك، ويتسلّل إلى اللغة قبل أن يستحيل موقفاً، ثم لا يلبث أن يتحوّل من عارضٍ عابر إلى عادةٍ نفسية، ومن عادةٍ نفسية إلى ثقافة، ومن ثقافة إلى هويةٍ اجتماعية.

ومن هنا يمكن أن نفهم عبارة «إدمان القبح واعتياد الرداء» بوصفها استعارةً عن الإنسان الذي لا يكتفي بارتكاب القبيح، بل يبدأ في التكيّف معه، ثم الدفاع عنه، ثم البحث عن مبرراته، حتى يغدو القبح في نظره أمراً طبيعياً، ويصبح الرداء الذي يخفي العورة الأخلاقية أهمَّ من إصلاح الجسد الذي تحته.

فالإنسان قد يرتدي ثوباً جميلاً فوق روحٍ متهالكة، وقد يتكلم بلغةٍ فصيحة وهو يمارس فعلاً دنيئاً، وقد يرفع شعارات الفضيلة وهو يقتات من نقيضها. وحين تبلغ المفارقة هذا الحدّ، لا يعود الرداء مجرد لباس، بل يصير نظاماً من التمويه الرمزي؛ أي إنّ الإنسان لا يحاول أن يكون جميلاً، بل يحاول أن يبدو جميلاً.

القبح حين يفقد صدمته

في بداياته، يكون القبح صادماً للضمير؛ لأن النفس السوية تمتلك، في أصل تكوينها، قدرةً على التمييز بين ما ينسجم مع قيمها وما ينتهكها. لكن الخطر يبدأ عندما يتكرر القبيح حتى يفقد قدرته على إثارة الدهشة.
وهنا يمكن الاستفادة من علم النفس الاجتماعي في فهم ظاهرة التطبيع مع السلوك المنحرف: ما يتكرر أمام الإنسان بصورة مستمرة قد يتحول، مع الزمن، إلى شيء مألوف، والمألوف قد يُساء فهمه فيصبح مقبولاً، والمقبول قد يتحول لاحقاً إلى معيار.
وهذه إحدى أخطر آليات الفساد الثقافي: أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والقبح إلى مألوف، والمألوف إلى فضيلة، ثم يصبح الاعتراض على القبح هو السلوك المستهجن.

ومن منظور التحليل النفسي عند سيغموند فرويد، يمكن النظر إلى بعض مظاهر السلوك الإنساني بوصفها نتاجاً للصراع بين الرغبات والرقابة الأخلاقية والواقع الاجتماعي. فالذات لا تعيش دائماً في انسجام داخلي؛ إنها تفاوض مستمر بين ما تريد، وما تستطيع، وما ينبغي أن تكون عليه.
لكن الإنسان حين يعجز عن مواجهة دوافعه أو الاعتراف بتناقضاته قد يلجأ إلى آليات دفاع نفسية، ومنها التبرير والإسقاط والإنكار. وهنا يصبح «الرداء» النفسي أهم من الحقيقة: لا يعود السؤال «ماذا فعلت؟»، وإنما «كيف أبدو أمام الآخرين؟».

يونغ: القبح الذي نرفضه في أنفسنا

أما كارل يونغ، فإن مفهوم الظلّ الذي صاغه في علم النفس التحليلي يفتح باباً بالغ الأهمية لفهم هذه المسألة.
فالظل هو ذلك الجانب من الذات الذي لا يرغب الإنسان في الاعتراف به أو عرضه على الآخرين. وما لا نعترف به في أنفسنا قد نراه في الآخرين بصورة مضخمة، فنحاكمهم على صفاتٍ نرفض الاعتراف بوجودها في داخلنا.
ومن هنا قد يكون إدمان القبح أحياناً نتيجةً لفشل الإنسان في مواجهة ظله. فبدلاً من أن يقول: «هذا الجانب المظلم موجود فيّ، وعليّ أن أفهمه وأهذبه»، يقوم بإخفائه تحت رداءٍ من القداسة أو الأخلاق أو الثقافة أو المكانة الاجتماعية.
وهكذا يصبح الرداء وسيلةً لإخفاء الظل، لا وسيلةً لإصلاحه.
إريك فروم: حين يصبح الإنسان ما يملك لا ما يكون

وفي فلسفة إريك فروم، ولا سيما في التمييز بين نمطي الامتلاك والكينونة، نجد مفتاحاً آخر لهذه الظاهرة
فالإنسان الذي يعيش بمنطق «الامتلاك» يبحث باستمرار عن ما يمنحه قيمةً في أعين الآخرين: المال، السلطة، المظهر، الشهادة، اللقب، الشهرة، العلاقات، وحتى الخطاب الثقافي نفسه.

أما الإنسان الذي يعيش بمنطق «الكينونة»، فقيمته لا تحتاج إلى هذا القدر من الزينة الخارجية؛ لأن وجوده الأخلاقي والفكري هو مصدر قيمته.
ولهذا فإن إدمان الرداء قد يكون في جوهره أزمةَ كينونة.

فالذي لا يملك مضموناً كافياً يضاعف اهتمامه بالشكل، والذي يشعر بفراغٍ داخلي يكدّس حول نفسه علامات الامتلاء الخارجي.
وهنا تصبح الثقافة نفسها قابلةً للتحول إلى رداء: يقرأ الإنسان لا لكي يتغير، وإنما لكي يبدو مثقفاً؛ ويتحدث عن الحرية لا لكي يمارسها، وإنما لكي يكتسب صورتها؛ ويستعمل مفردات العدالة لا لأنه عادل، بل لأن كلمة «العدالة» تمنحه مظهراً أخلاقياً.

نيتشه: حين تنقلب القيم

ولدى فريدريك نيتشه، نجد سؤالاً أكثر جذرية: من الذي يصنع القيم؟ وكيف تتحول القيم إلى أقنعة؟

فالإنسان قد لا يكتفي بارتداء قناعٍ يخفي به ضعفه، بل قد يصنع فلسفةً كاملة تبرر القناع.
وهنا تكمن مأساة القبح حين يتحول إلى منظومة: إنه لا يعود فعلاً قبيحاً فحسب، بل ينتج خطاباً يدافع عنه، ومؤسساتٍ تحميه، ومصالحَ تقتات منه، وأفراداً يجدون في استمراره مبرراً لوجودهم.
وهذا هو أخطر أشكال القبح: القبح الذي يمتلك جهازاً لغوياً للدفاع عن نفسه.
كانط: الجمال الأخلاقي قبل جمال الصورة
وعند إيمانويل كانط، تتأسس القيمة الإنسانية على قدرة الإنسان على التعامل مع ذاته والآخرين بوصفهم غايات لا مجرد وسائل.
ومن هذه الزاوية، فإن القبح الأخلاقي يبدأ عندما يتحول الآخر إلى أداة: أداةً للنفوذ، أو الشهرة، أو المنفعة، أو الاستغلال.

وقد يكون الإنسان أنيق الهيئة، عذب العبارة، حسن الحضور، لكنه يمارس في علاقاته مع الآخرين اختزالاً لهم إلى وسائل. عندئذ يصبح جمال المظهر عاجزاً عن إنقاذ قبح الممارسة.
فالإنسان لا يصبح جميلاً بما يرتديه، وإنما بما لا يستطيع أن يفعله ولو كان قادراً عليه.

بورديو: الذوق ليس بريئاً دائماً

ومن منظور بيير بورديو، فإن الذوق والمظهر واللغة وأنماط السلوك ليست مجرد اختيارات فردية بريئة، بل ترتبط بالبنية الاجتماعية ورأس المال الثقافي والرمزي.
فاللغة نفسها قد تصبح رداءً طبقياً؛ وطريقة الحديث قد تصبح وسيلةً لإظهار الانتماء؛ والذوق قد يتحول إلى أداةٍ للتمييز بين الناس.
وهنا تتجاوز فكرة «الرداء» معناها المادي لتصبح رأسمالاً رمزياً.

فالإنسان قد يرتدي في المجتمع أكثر من ثوب: ثوب المثقف، وثوب التقدمي، وثوب المحافظ، وثوب الثائر، وثوب المتدين، وثوب العارف، وثوب الضحية.
لكن السؤال الأكثر إيلاماً يظل:
ماذا يبقى من الإنسان حين نخلع عنه كل هذه الأثواب؟

اللغة: حين يصبح النحو أخلاقاً

ولعلّ علماء العربية القدماء كانوا أكثر وعياً بالعلاقة العميقة بين اللغة والسلوك مما نظن.
فالنحو عند العرب لم يكن مجرد صناعةٍ شكلية لضبط أواخر الكلمات، وإنما كان، في أحد وجوهه، بحثاً عن استقامة القول؛ والاستقامة في القول تفتح سؤال الاستقامة في الفعل.
ويكفي أن نتأمل ثنائية الصواب والخطأ في اللغة، لندرك أن العقل العربي القديم كان شديد الحساسية تجاه فكرة الانحراف عن النظام.

وقد أدرك عبد القاهر الجرجاني أن قيمة الكلام لا تكمن في مفرداته منفردة، وإنما في النظم والعلاقات التي تجعل المعنى يتولد من انتظام العناصر.
وإذا وسّعنا هذه الرؤية من اللغة إلى الحياة، أمكن القول إن الإنسان أيضاً لا يُقاس بمفرداته: لا بلقبه، ولا بثيابه، ولا بشهاداته، ولا بما يقوله عن نفسه؛ وإنما بنظم العلاقة بين قوله وفعله، وبين مظهره وجوهره، وبين ما يدّعيه وما يمارسه.
فالخلل ليس في الكلمة منفردة، وإنما في فساد «النظم» الذي يربط الكلمات بالمعاني.

الرداء بوصفه قناعاً اجتماعياً

وقد قرأ إرفنغ غوفمان الحياة الاجتماعية من خلال استعارة المسرح؛ فالإنسان يقدم نفسه أمام الآخرين، ويدير انطباعاتهم عنه، ويصنع واجهته الاجتماعية.
ومن هنا يمكن فهم الرداء بوصفه جزءاً من إدارة الصورة.
غير أن المشكلة لا تقع في أن الإنسان يقدم نفسه بصورةٍ لائقة؛ فذلك أمر طبيعي، وإنما تبدأ حين تنفصل الصورة انفصالاً كلياً عن الحقيقة.
عندئذ يتحول المجتمع إلى مسرح كبير، ويصبح بعض الناس بارعين في تغيير الأقنعة أكثر من براعتهم في تغيير أنفسهم.

وهنا يتولد ذلك النوع من الإنسان الذي يمكن تسميته «الإنسان الواجهة»: إنسانٌ شديد العناية بما يراه الناس منه، قليل العناية بما يراه هو من نفسه حين يخلو إليها.
من القبح الفردي إلى القبح الجمعي

الأخطر من ذلك أن القبح قد يتحول من مرض فردي إلى ذوق جماعي.
حينها لا يعود المجتمع يسأل: هل هذا جميل أم قبيح؟ بل يسأل: هل يفعله الجميع؟

وهذا التحول بالغ الخطورة؛ لأن الكثرة ليست معياراً للحقيقة، كما أن شيوع الخطأ لا يحوله إلى صواب.
وقد نبّه هانا أرندت، في سياقات مختلفة، إلى خطورة أن تتحول الأفعال إلى إجراءات عادية يفقد الإنسان معها حسه النقدي تجاه ما يفعل. والخطر هنا ليس دائماً في وجود الوحشية الصريحة، بل في اعتيادها حتى تصبح جزءاً من الروتين.

إن القبح حين يُمارس منفرداً قد يكون انحرافاً، أما حين يصبح عادةً جماعية فإنه يبدأ في صناعة معيار جديد للقيمة.
وهنا لا يعود الجميل جميلاً لأنه جميل، بل يصبح جميلاً لأنه مألوف؛ ولا يعود القبيح قبيحاً لأنه قبيح، بل يصبح مقبولاً لأنه شائع.

إدمان القبح: من الممارسة إلى الهوية

الإدمان، في معناه الأوسع، ليس مجرد تكرار الفعل؛ إنه العجز عن الاستغناء عنه رغم معرفة أذاه.
ومن هنا يمكن الحديث مجازياً عن «إدمان القبح».
فالذي يكذب مرةً قد يندم، والذي يكذب دائماً قد يتعلم التبرير، والذي يصبح الكذب جزءاً من هويته قد يصل إلى مرحلة لا يعود فيها محتاجاً إلى اختلاق الحقيقة؛ لأنه يعيد تشكيل الحقيقة نفسها بما يناسب كذبه.
وهكذا يتدرج القبح:
فعلٌ _ عادةٌ _ تبريرٌ _ تطبيعٌ _ هويةٌ.

وفي المرحلة الأخيرة لا يعود الإنسان يشعر بأنه يرتدي قناعاً؛ يصبح القناع وجهه.
المشكلة ليست في الرداء، بل في أن ننسى أننا نرتديه
ليست الأزياء قبيحة، ولا المظاهر مذمومة، ولا الصورة الاجتماعية شراً في ذاتها. الإنسان كائن رمزي، ومن الطبيعي أن يعبّر عن ذاته باللباس واللغة والسلوك.
المشكلة تبدأ عندما يستبدل الإنسان الحقيقة بالمظهر، والجوهر بالعلامة، والقيمة بالانطباع.
أن ترتدي جميلاً لا يعني أنك جميل.
وأن تتحدث عن الأخلاق لا يعني أنك أخلاقي.
وأن تحمل لقب المثقف لا يعني أنك مثقف.
وأن ترفع راية الحرية لا يعني أنك حر.
وأن تتحدث عن الإنسان لا يعني أنك إنساني.
إن المسافة بين ما نرتديه وما نكونه هي المسافة التي ينبغي للضمير أن يقيسها باستمرار.
نحو استرداد المعنى

ربما لا يحتاج الإنسان المعاصر إلى مزيد من الأثواب، بقدر ما يحتاج إلى خلع بعض الأثواب.
أن يخلع ثوب الادعاء عن الحقيقة.
وثوب التبرير عن الخطأ.
وثوب التقديس عن المصلحة.
وثوب الثقافة عن الجهل.
وثوب الأخلاق عن النفاق.
وثوب القوة عن العجز.
وثوب الضحية عن المسؤولية.
فالجمال الحقيقي لا يبدأ من المرآة، بل من الموقف؛ ولا يسكن في الهيئة، بل في الضمير؛ ولا يُقاس بما يراه الناس، بل بما يفعله الإنسان حين لا يراه أحد.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس أن يرتكب القبح، وإنما أن يفقد القدرة على رؤيته قبحاً.
وأخطر من ذلك أن ينسج حوله رداءً من اللغة، والفلسفة، والثقافة، والدين، والسياسة، والمكانة الاجتماعية، ثم يخرج إلى العالم مطمئناً إلى أن الرداء قد أصبح حقيقة.
لكن الرداء، مهما أتقنّا حياكته، لا يغيّر الجسد الذي تحته.
والقناع، مهما طال ارتداؤه، لا يصنع وجهاً.
والكلمة، مهما بلغت فصاحتها، لا تستطيع أن تمنح الفعل أخلاقاً لا يمتلكها.
لذلك فإن معركة الإنسان الحقيقية ليست مع قبح العالم وحده، بل مع القابلية الداخلية التي تجعله يتصالح مع القبح حتى يألفه، ثم يدافع عنه، ثم يخشى فقدانه.

وعند تلك النقطة تحديداً يصبح السؤال الوجودي أكثر إلحاحاً:
هل نحن الذين نرتدي الرداء، أم أن الرداء هو الذي صار يرتدينا؟
فحين يصبح القبح مألوفاً، يصبح الجمال مقاومة.
وحين يصبح النفاق لغةً عامة، تصبح الصراحة شجاعة.
وحين تصبح الأقنعة وجوهاً، يصبح خلع القناع فعلاً من أفعال التحرر.

ولعلّ أول الطريق إلى استعادة الإنسان ليس أن نبحث عن رداءٍ أجمل، بل أن نمتلك شجاعة النظر إلى ما تحت الرداء.