إسرائيل الكبرى كبرنامج حكومي: سموتريتش يقود مشروع إنهاء الوجود السياسي الفلسطيني

د. راسم بشارات *

* دكتوراه في دراسات غرب آسيا، باحث و محلل، مختص في الشأن الفلسطيني واللاتيني. مفوض العلاقات الخارجية لدى منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة في فلسطين

في واحدة من أكثر التصريحات الإسرائيلية صراحة في كشف النوايا السياسية للحكومة اليمينية، أعلن وزير المالية الإسرائيلي ووزير في وزارة الأمن بتسلئيل سموتريتش أن إصدار مذكرات اعتقال دولية بحق مسؤولين إسرائيليين يشكل، من وجهة نظره، “إعلان حرب”، متوعدا “بحرب ضروس” ضد السلطة الوطنية الفلسطينية. ولم يكتفِ بالتصعيد الخطابي، بل بادر إلى ترجمة تهديداته إلى إجراءات عملية بإعلانه التوقيع الفوري على أمر لإخلاء خان الأحمر، إلى جانب تعهده باستخدام كل ما يملكه من أدوات مالية وإدارية وأمنية لاستهداف الفلسطينيين ومؤسساتهم.

قراءة هذه التصريحات في سياقها الأوسع تكشف أنها ليست رد فعل طارئ على الضغوط القانونية الدولية، بل امتداد مباشر لرؤية أيديولوجية وسياسية صاغها سموتريتش بصورة منهجية منذ عام 2017 في خطته المعروفة باسم “خطة الحسم”. في تلك الوثيقة، طرح سموتريتش تصورا يقوم على فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، وإنهاء أي أفق لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ووضع الفلسطينيين أمام ثلاثة خيارات: القبول بالعيش في جيوب سكانية محدودة دون حقوق وطنية، أو الهجرة، أو مواجهة القمع العسكري. ومن هذا المنظور، فإن التهديد بتفكيك السلطة الفلسطينية، وخنقها اقتصاديا، وإخلاء الخان الأحمر، لا يمثل سلسلة خطوات منفصلة، بل تنفيذا تدريجيا لمشروع استراتيجي يهدف إلى إعادة تشكيل الواقع في الضفة الغربية على نحو يقضي على الوجود السياسي الفلسطيني، ويحول الاحتلال من وضع مؤقت إلى نظام ضم دائم ومعلن، بما يعيد تعريف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي باعتباره صراعا على الوجود والحقوق الأساسية، لا مجرد نزاع على الحدود أو ترتيبات سياسية مؤجلة.

 

سموتريتش يكشف المشروع الحقيقي للحكومة الاسرائيلية

تكشف تصريحات سموتريتش عن أكثر من مجرد موقف سياسي متشدد؛ فهي تقدم، بلغة مباشرة وغير مواربة، تصورا أيديولوجيا متكاملا تسعى الحكومة الإسرائيلية الحالية إلى ترجمته على الأرض في الضفة الغربية. فعندما يعلن سموتريتش قائلا: “أنا لست يهوديا خاضعا”، فإنه لا يكتفي برفض الاتهامات الدولية، بل يعيد إنتاج سردية قومية تعتبر أي مساءلة قانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية امتدادا لما يصفه اليمين الإسرائيلي “بالاضطهاد التاريخي” لليهود. وضمن هذا الإطار، يجري تصوير القانون الدولي ليس باعتباره مرجعية ملزمة، بل كأداة سياسية معادية يجب مواجهتها بالتصعيد، بما في ذلك توظيف العقوبات الاقتصادية والإدارية ضد الفلسطينيين كوسيلة ردع وعقاب جماعي.

 

غير أن البعد الأكثر دلالة في خطاب سموتريتش يتمثل في توصيفه السلطة الوطنية الفلسطينية بأنها “تنظيم إرهابي” و”كيان حقير أقيم في إطار عار أوسلو”. هذا الوصف لا يعكس انفعالا سياسيا عابرا، بل ينسجم مع موقف عقائدي راسخ لدى تيار الصهيونية الدينية الذي يرى في اتفاقيات أوسلو انحرافا استراتيجيا منح الفلسطينيين اعترافا سياسيا لا ينبغي أن يستمر. ومن هذا المنطلق، لا ينظر إلى السلطة الفلسطينية كشريك تفاوضي أو كإدارة انتقالية، بل كعائق بنيوي أمام مشروع الضم وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية.

 

وبهذا المعنى، فإن المواجهة التي يقودها سموتريتش ضد السلطة الفلسطينية تتجاوز رد الفعل على التحرك القانوني الفلسطيني في لاهاي؛ فهي تستهدف الأساس السياسي الذي قامت عليه السلطة نفسها. وتشير قراءة متأنية لتصريحاته وسياساته إلى أن الهدف الفعلي هو تفكيك البنية السياسية والإدارية الفلسطينية، وتجريد الفلسطينيين من أي إطار مؤسساتي يمكن أن يشكل نواة لدولة مستقلة. ووفق هذا التصور، يصبح وجود السلطة الفلسطينية، بحد ذاته، عقبة يجب إزاحتها تمهيدا لترسيخ واقع جيوسياسي جديد يقوم على الضم الدائم، وتوسيع الاستيطان، وإعادة صياغة الصراع وفق رؤية اليمين الإسرائيلي لمشروع “إسرائيل الكبرى”.

 

قرار اخلاء الخان الأحمر

لا يمكن النظر إلى قرار سموتريتش بإخلاء الخان الأحمر باعتباره إجراء إداريا أو تنفيذا لقرار قضائي مؤجل، بل باعتباره حلقة مفصلية في مشروع جيوسياسي أوسع يستهدف إعادة رسم الخريطة الديموغرافية والجغرافية للضفة الغربية المحتلة. فالتجمع البدوي الصغير، الذي يقطنه فلسطينيون من عشيرة الجهالين، يقع في نقطة شديدة الحساسية شرق القدس، ضمن الممر الاستيطاني المعروف بمنطقة E1، وهي المنطقة التي تسعى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى استكمال السيطرة عليها لربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس.

وتشير الخرائط والدراسات الاستراتيجية إلى أن إزالة الخان الأحمر من موقعه ستفتح الطريق أمام توسيع البناء الاستيطاني في هذا الممر، بما يؤدي عمليا إلى شطر الضفة الغربية إلى قسمين منفصلين، وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، وتقويض أحد أهم الشروط الجغرافية اللازمة لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة ومتواصلة الأراضي. ومن هذا المنظور، يتحول القرار من قضية محلية تتعلق بتجمع بدوي محدود إلى خطوة تنفيذية ذات أثر استراتيجي مباشر على مستقبل التسوية السياسية برمتها.

وقد حذرت أطراف دولية متعددة، بما فيها مؤسسات أممية ودول أوروبية، من أن هدم الخان الأحمر وترحيل سكانه قد يرقى إلى مستوى النقل القسري للسكان الواقعين تحت الاحتلال، وهو ما يعد انتهاكا جسيما لأحكام القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة. وفي هذا السياق، فإن قرار سموتريتش لا يعكس مجرد تصعيد سياسي ضد الفلسطينيين، بل يكشف عن استخدام الأدوات الإدارية والقانونية الإسرائيلية كوسيلة لفرض وقائع ميدانية جديدة، تستهدف إحكام السيطرة على أكثر المناطق حساسية في الضفة الغربية، ودفع مشروع الضم من مستوى الخطاب الأيديولوجي إلى مرحلة التنفيذ العملي.

 

الحرب الاقتصادية كسلاح سياسي

تكشف تهديدات سموتريتش باستهداف كل هدف اقتصادي فلسطيني يقع ضمن نطاق صلاحياته عن توجه يتجاوز الخطاب السياسي إلى استخدام المنظومة المالية كأداة ضغط استراتيجية لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني. وبحكم سيطرته على ملفات حيوية تتعلق بتحويل أموال المقاصة والإجراءات الجمركية والتنسيق المالي، يمتلك سموتريتش أدوات قادرة على إحداث اختلالات مباشرة في البنية الاقتصادية والإدارية للسلطة الفلسطينية، بدءا من احتجاز العائدات الضريبية (المقاصة) التي تشكل المصدر الرئيس لإيرادات السلطة الوطنية الفلسطينية، مرورا بتعطيل التحويلات البنكية وفرض قيود على التجارة وحركة البضائع والأفراد، وصولا إلى تقويض قدرة المؤسسات الفلسطينية على دفع الرواتب وتوفير الخدمات الأساسية.

 

وتشير التجارب السابقة إلى أن هذه الأدوات لا تستخدم باعتبارها إجراءات مالية محايدة، بل كوسائل عقاب سياسي تستهدف البنية المؤسسية الفلسطينية في لحظات المواجهة الدبلوماسية أو القانونية. وعندما تحرم السلطة الفلسطينية من مواردها الأساسية، تتراجع قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والقطاعات الحيوية، بما ينعكس فورا على قطاعات الصحة والتعليم والأمن والخدمات الاجتماعية، ويفاقم حالة الهشاشة الاقتصادية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال.

 

لكن الأثر الأعمق لهذه السياسات يتجاوز الضغط على المؤسسات الرسمية ليطال الحياة اليومية لملايين الفلسطينيين. فتعطيل الرواتب، وتراجع السيولة، وانكماش النشاط التجاري، كلها عوامل تدفع الاقتصاد الفلسطيني نحو مزيد من الارتهان للبنية التي يسيطر عليها الاحتلال. ومن منظور استقصائي، تبدو هذه الإجراءات جزءا من استراتيجية متدرجة تهدف إلى إضعاف قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم بصورة مستقلة، ودفع المجتمع إلى حالة من الاختناق الإداري والاقتصادي تتيح لإسرائيل فرض وقائع سياسية جديدة في الضفة الغربية. وبهذا المعنى، تتحول الحرب الاقتصادية من وسيلة ضغط مؤقتة إلى أداة بنيوية لإعادة تشكيل ميزان القوى، بما يخدم مشروع الضم ويقوض الأسس المادية والمؤسسية لأي كيان فلسطيني قابل للحياة.

 

ما الذي يريده سموتريتش فعليا

تكشف القراءة المتأنية لتصريحات سموتريتش أن الرجل لا يتعامل مع التطورات الراهنة بوصفها أزمة ظرفية، بل بوصفها فرصة لتسريع تنفيذ مشروع سياسي وأيديولوجي عمل على بلورته منذ سنوات. فمن خلال تتبع مواقفه العلنية وخطته المعروفة باسم “خطة الحسم” التي طرحها عام 2017، يتضح أن الهدف المركزي لسموتريتش يتمثل في إعادة صياغة الواقع في الضفة الغربية على نحو ينهي عمليا أي إمكانية لقيام كيان فلسطيني يتمتع بمقومات السيادة أو الاستقلال السياسي.

ويقوم هذا المشروع على مجموعة من المسارات المتوازية التي تتكامل فيما بينها بصورة منهجية. أول هذه المسارات هو إضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية، سواء عبر تفكيكها مؤسساتيا أو تحويلها إلى جهاز إداري محدود الصلاحيات، يتولى إدارة الشؤون المدنية للسكان دون أن يمتلك أي مضمون سياسي أو قدرة على تمثيل تطلعات الفلسطينيين الوطنية. أما المسار الثاني فيتمثل في تسريع التوسع الاستيطاني وفرض الضم التدريجي في الضفة الغربية، من خلال السيطرة على المناطق المصنفة “ج”، وفرض وقائع ديموغرافية وجغرافية تجعل الانسحاب الإسرائيلي شبه مستحيل.

ويستهدف المسار الثالث تقويض الأساس الجغرافي والسياسي لفكرة الدولة الفلسطينية، عبر منع التواصل الإقليمي بين المدن والتجمعات الفلسطينية، وعزل القدس الشرقية عن محيطها، وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى جيوب منفصلة تفتقر إلى مقومات الاستمرارية الاقتصادية والسياسية. وفي موازاة ذلك، يسعى المسار الرابع إلى ردع أي تحرك فلسطيني في الساحات القانونية والدبلوماسية الدولية، من خلال استخدام العقوبات المالية والإدارية والتهديدات السياسية لإجبار الفلسطينيين على التراجع عن ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية.

ومن هذا المنظور، فإن تهديدات سموتريتش الأخيرة لا يمكن فهمها بوصفها ردود فعل غاضبة على تطور قانوني دولي، بل باعتبارها مؤشرات عملية على انتقال مشروعه من مستوى التنظير الأيديولوجي إلى مرحلة التنفيذ الميداني. فالاستهداف الاقتصادي للسلطة، والدفع نحو إخلاء خان الأحمر، والتشكيك في شرعية السلطة الفلسطينية، كلها خطوات تصب في استراتيجية واحدة تهدف إلى تصفية الأسس السياسية والجغرافية للقضية الفلسطينية، وترسيخ واقع دائم من الضم والسيطرة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية.

 

المخاطر على مستقبل القضية الفلسطينية

تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن المشروع الذي يقوده سموتريتش لا يستهدف إحداث ضغوط ظرفية على الفلسطينيين فحسب، بل ينطوي على تداعيات بنيوية قد تعيد تشكيل مستقبل القضية الفلسطينية برمته. وإذا استمر هذا النهج دون مواجهة فلسطينية ودولية فعالة، فإن نتائجه لن تقتصر على تغييرات إدارية أو اقتصادية محدودة، بل قد تؤدي إلى تحولات استراتيجية تمس الأسس السياسية والجغرافية والقانونية التي قامت عليها المطالب الوطنية الفلسطينية خلال العقود الماضية.

أولى هذه التداعيات تتمثل في احتمال تعرض السلطة الوطنية الفلسطينية إلى حالة من الإنهاك المالي والإداري قد تفضي إلى شلل مؤسساتها أو تقليص دورها إلى حده الأدنى. ومع تزايد الضغوط الاقتصادية واحتجاز أموال المقاصة، تصبح قدرة السلطة على إدارة الخدمات العامة ودفع الرواتب والحفاظ على الاستقرار المؤسسي موضع تهديد مباشر، بما يفتح المجال أمام فراغ سياسي وإداري واسع في الضفة الغربية.

وفي الوقت نفسه، يوفر هذا الضعف المؤسسي بيئة مواتية لتسريع الضم الفعلي لمناطق واسعة من الضفة الغربية، ولا سيما في المناطق المصنفة “ج”، حيث تتواصل عمليات التوسع الاستيطاني وفرض السيطرة الإسرائيلية على الأرض والموارد. ويترافق ذلك مع تصاعد خطر تهجير التجمعات الفلسطينية البدوية والزراعية، مثل الخان الأحمر، بما يؤدي إلى تغيير تدريجي في التركيبة السكانية والجغرافية للمناطق المستهدفة.

وعلى المستوى السياسي، يفضي هذا المسار إلى تقويض متزايد لفكرة حل الدولتين، ليس من خلال إعلان رسمي بإنهائها، بل عبر تفكيك الشروط العملية اللازمة لتحقيقها، وعلى رأسها وحدة الأرض الفلسطينية واستمرارية مؤسساتها. ومع ترسخ السيطرة الإسرائيلية الدائمة على الأرض دون منح الفلسطينيين حقوقا سيادية متساوية، يزداد خطر تثبيت واقع يصفه عدد متزايد من المنظمات الحقوقية الدولية بأنه نظام فصل عنصري طويل الأمد.

وفي حال اكتمال هذا التحول، قد تجد الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها أمام إعادة تعريف جوهرية لطبيعة الصراع. فبدلا من أن يتركز النضال على إنهاء الاحتلال وإقامة دولة مستقلة، قد ينتقل تدريجيا إلى معركة طويلة من أجل الحقوق المدنية والسياسية الأساسية داخل نظام يفرض سيطرة إسرائيلية كاملة على الأرض والسكان. ومن هذا المنظور، فإن ما يطرحه سموتريتش لا يهدد مؤسسات السلطة الفلسطينية وحدها، بل يمس الإطار السياسي الذي استندت إليه القضية الفلسطينية منذ عقود، ويضع الفلسطينيين أمام مرحلة جديدة من الصراع على الوجود والحقوق والهوية الوطنية.

 

كيفية مواجهة المشروع فلسطينيا

في مواجهة المشروع الذي يقوده سموتريتش، والذي يستهدف إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي في الضفة الغربية على نحو يفرغ القضية الفلسطينية من مرتكزاتها المؤسسية والقانونية، تبدو الحاجة ملحة إلى استراتيجية فلسطينية شاملة تتعامل مع التهديد باعتباره مشروعا بنيويا طويل الأمد، لا مجرد سلسلة إجراءات عقابية متفرقة. فطبيعة هذا المشروع، كما تكشفها سياسات الضم الزاحف، والحصار المالي، واستهداف السلطة الوطنية الفلسطينية، تفرض مقاربة متعددة المستويات تجمع بين إعادة بناء البيت الداخلي، وتعزيز الصمود الاقتصادي، وتوسيع أدوات المواجهة القانونية والدبلوماسية.

تأتي في مقدمة الأولويات ضرورة إنهاء الانقسام الفلسطيني واستعادة الحد الأدنى من الوحدة الوطنية على أساس رؤية سياسية مشتركة تحدد أهداف المرحلة وأدوات التعامل مع التحولات الجارية. فالانقسام الداخلي لا يضعف الموقف التفاوضي والسياسي فحسب، بل يتيح لإسرائيل استثمار التباينات الفلسطينية لتسريع فرض الوقائع الميدانية. ومن منظور استراتيجي، يشكل بناء قيادة موحدة وآلية تنسيق فعالة شرطا أساسيا لمواجهة مشروع يستهدف تقويض التمثيل السياسي الفلسطيني ذاته.

وعلى المستوى الاقتصادي، تبرز الحاجة إلى تقليص الاعتماد الهيكلي على أموال المقاصة التي تتحكم بها إسرائيل، وتطوير بدائل مالية أكثر استقرارا، سواء من خلال إصلاحات داخلية أو عبر تفعيل شبكات الأمان العربية والإسلامية والدولية. فكلما تراجعت قدرة الاحتلال على استخدام الموارد المالية كورقة ابتزاز، ازدادت قدرة المؤسسات الفلسطينية على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الإداري والخدماتي.

وفي الميدان القانوني، تظل مواصلة التحرك أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية أحد أهم أدوات كبح السياسات الإسرائيلية، خاصة عندما يقترن ذلك بتوثيق منهجي للانتهاكات المتعلقة بالاستيطان والتهجير القسري والعقوبات الجماعية. ولا يقتصر أثر هذا المسار على البعد القضائي، بل يسهم أيضا في تعزيز العزلة السياسية والقانونية للمسؤولين الداعين إلى الضم والترحيل.

أما على الأرض، فإن دعم صمود التجمعات الفلسطينية المهددة، وفي مقدمتها الخان الأحمر، والأغوار، ودوما والمغير، وحمروش سعير، ومسافر يطا، يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات إعادة رسم الخريطة الديموغرافية للضفة الغربية. فالحفاظ على الوجود الفلسطيني في هذه المناطق لا يحمل بعدا إنسانيا فحسب، بل يمثل عنصرا حاسما في منع استكمال مشاريع الفصل الجغرافي والضم.

وفي موازاة ذلك، تبرز أهمية تفعيل أدوات المقاومة الشعبية والدبلوماسية، من خلال توسيع حملات المقاطعة والمناصرة الدولية، وتعزيز الحضور الفلسطيني في وسائل الإعلام والمنتديات السياسية العالمية. فالمعركة التي يخوضها الفلسطينيون اليوم لا تدور فقط على الأرض، بل أيضا في فضاءات القانون والرأي العام الدولي، حيث يمكن تحويل الانتهاكات الإسرائيلية إلى عنصر ضغط سياسي متراكم.

ومن هذا المنظور، فإن مواجهة مشروع سموتريتش تتطلب انتقالا من إدارة الأزمات اليومية إلى بناء استراتيجية وطنية متكاملة، تستند إلى الوحدة الداخلية، والقدرة على الصمود الاقتصادي، والفاعلية القانونية، والدعم الشعبي والدولي. فكلما اتسم الرد الفلسطيني بالتنسيق والوضوح والاستدامة، تراجعت قدرة المشروع الإسرائيلي على فرض نفسه كأمر واقع دائم.

 

ما المطلوب دوليا

تشير طبيعة التصعيد الذي يقوده سموتريتش إلى أن التعامل الدولي معه لم يعد يحتمل الاكتفاء ببيانات الإدانة أو التعبير عن “القلق العميق”. فالمسألة لم تعد تتعلق بإجراءات إسرائيلية متفرقة، بل بمشروع سياسي معلن يسعى إلى تكريس الضم، وتقويض السلطة الوطنية الفلسطينية، وتهجير التجمعات الفلسطينية، وإبطال أي أثر للقانون الدولي في الأراضي المحتلة. ومن هذا المنظور، يصبح غياب خطوات عملية من جانب المجتمع الدولي عاملا يساهم، بصورة غير مباشرة، في توفير مظلة سياسية لاستمرار هذه السياسات وترسيخها على الأرض.

ويتمثل أحد أبرز المسارات الممكنة في فرض إجراءات تقييدية على المسؤولين الإسرائيليين الذين يدعون صراحة إلى التهجير القسري أو الضم أو العقوبات الجماعية، باعتبار أن هذه المواقف لا تندرج ضمن السجال السياسي المعتاد، بل ترتبط بسياسات تترتب عليها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. كما يكتسب توسيع نطاق الاعتراف الدولي بدولة فلسطين أهمية خاصة، لأنه يعزز المكانة القانونية والسياسية الفلسطينية، ويحد من محاولات تقويض فكرة الدولة الفلسطينية كخيار قابل للتحقق.

وعلى المستوى الميداني، تبرز الحاجة إلى توفير حماية سياسية ودبلوماسية للتجمعات الفلسطينية المهددة بالهدم والترحيل، وفي مقدمتها الخان الأحمر، والأغوار، ومسافر يطا، من خلال الضغوط المباشرة وآليات المراقبة الدولية. وفي الوقت نفسه، يمثل ضمان استمرار الدعم المالي للمؤسسات الفلسطينية عنصرا حاسما في منع الانهيار الإداري والاقتصادي الذي تراهن عليه السياسات الإسرائيلية لإضعاف البنية المؤسسية الفلسطينية.

أما على الصعيد القانوني، فإن التحدي الأهم يكمن في ترجمة القرارات والآراء الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية وغيرها من الهيئات الدولية إلى إجراءات تنفيذية ملموسة. إذ أن فاعلية القانون الدولي لا تقاس بعدد القرارات الصادرة، بل بمدى قدرة المجتمع الدولي على تطبيقها ومحاسبة من يتجاهلها. ومن دون هذا الانتقال من مستوى التوصيف القانوني إلى مستوى التنفيذ السياسي، ستظل الأدوات الدولية محدودة التأثير في مواجهة مشروع يعمل بصورة متسارعة على فرض وقائع يصعب التراجع عنها.

ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب دوليا لا يقتصر على احتواء أزمة راهنة، بل يتمثل في بلورة استجابة سياسية وقانونية واقتصادية متكاملة تعيد التأكيد على أن الضم والتهجير القسري وتقويض حق الفلسطينيين في تقرير المصير ليست سياسات يمكن التعايش معها أو إدارتها، بل انتهاكات تستوجب إجراءات عملية ورادعة. وفي ظل وضوح المشروع الذي يطرحه سموتريتش، يصبح اختبار المجتمع الدولي الحقيقي هو قدرته على الانتقال من خطاب القلق إلى سياسة المساءلة الفعلية التي تحفظ ما تبقى من فرص الحل السياسي وتحول دون تصفية القضية الفلسطينية كأمر واقع.

الخاتمة

في المحصلة، تكشف تصريحات وزير المالية الإسرائيلي ووزير في وزارة الأمن بتسلئيل سموتريتش عن درجة غير مسبوقة من الوضوح في التعبير عن المشروع الذي يتبناه تيار اليمين الديني القومي داخل الحكومة الإسرائيلية. فما كان يطرح خلال السنوات الماضية في صورة برامج أيديولوجية ووثائق سياسية، وعلى رأسها “خطة الحسم” التي قدمها سموتريتش عام 2017، بات يترجم اليوم إلى سياسات تنفيذية تستهدف بصورة مباشرة السلطة الوطنية الفلسطينية، والتجمعات الفلسطينية المهددة بالترحيل، والبنية القانونية التي يستند إليها الفلسطينيون في دفاعهم عن حقوقهم الوطنية. وفي هذا السياق، لا تبدو التهديدات بتفكيك السلطة، وإخلاء الخان الأحمر، وفرض العقوبات الاقتصادية، ورفض اختصاص المحاكم الدولية، كإجراءات متفرقة أو ردود فعل ظرفية، بل كمكونات مترابطة ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى إعادة صياغة الواقع السياسي والجغرافي في الضفة الغربية على نحو يلغي عمليا إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.

 

وتشير القراءة التحليلية لهذا المسار إلى أن جوهر المشروع لا يقتصر على إدارة الصراع أو احتواء تداعياته، بل يتجه إلى حسمه أحاديا من خلال فرض السيادة الإسرائيلية الدائمة على الأرض، وتفكيك أي إطار سياسي أو مؤسساتي يمكن أن يشكل أساسا لتجسيد حق الفلسطينيين في تقرير المصير. ومن ثم، فإن ما يجري اليوم يتجاوز حدود التصعيد السياسي التقليدي ليصل إلى مستوى إعادة تعريف الصراع نفسه: من نزاع قابل للتسوية عبر التفاوض إلى صراع مفتوح على الوجود والهوية والحقوق الأساسية.

 

في المقابل، تفرض هذه التحولات على الفلسطينيين والمجتمع الدولي اختبارا حاسما. إذ أن مواجهة هذا المشروع تتطلب استراتيجية فلسطينية موحدة تستند إلى إعادة بناء التماسك الوطني، وتعزيز الصمود الاقتصادي والميداني، ومواصلة المسار القانوني والدبلوماسي على الساحة الدولية. كما تستدعي موقفا دوليا أكثر صرامة ينتقل من التعبير عن القلق إلى تبني إجراءات عملية تكفل حماية المدنيين، ومساءلة المسؤولين عن سياسات الضم والتهجير، وضمان تنفيذ قواعد القانون الدولي. وفي ظل التسارع الواضح في فرض الوقائع على الأرض، لم تعد القضية تدور حول مستقبل مفاوضات مؤجلة، بل حول القدرة على حماية الوجود الفلسطيني ذاته والحفاظ على الأسس السياسية والقانونية للقضية الفلسطينية في مواجهة مشروع يسعى إلى تصفيتها كأمر واقع.