إسرائيل الكبرى وإسرائيل الصغرى: جدلية الدين والسياسة في المشروع الصهيوني

بقلم: د. صالح الشقباوي

في سياق التحولات التاريخية والفكرية التي شهدها العالم الحديث، يبرز التمييز بين مفهومي “إسرائيل الكبرى” و”إسرائيل الصغرى” بوصفه مدخلاً تحليلياً لفهم طبيعة المشروع الصهيوني وأبعاده المركبة. فالأول يمثل طموحاً أيديولوجياً ممتداً يتجاوز الجغرافيا، بينما يعكس الثاني واقعاً سياسياً قائماً ضمن حدود الدولة الحديثة. وبين هذين المستويين، يتقاطع الدين بالسياسة، ويتحول المقدس إلى أداة ضمن صراع المصالح والهيمنة.
إن الدين اليهودي، بوصفه منظومة روحية وثقافية، شكّل عبر التاريخ مركزاً فاعلاً في تشكيل الوعي الجمعي، ومصدراً للمعنى والهوية. غير أن هذا الدين، في سياق التحول الصهيوني، لم يبقَ مجرد تجربة إيمانية خالصة، بل أعيد توظيفه ضمن مشروع سياسي حديث، حيث جرى استدعاء رموزه ومقولاته لتخدم غايات قومية واستراتيجية.
الصهيونية، رغم تقديم نفسها كحركة علمانية في نشأتها، لم تلغِ الدين، بل أعادت إنتاجه داخل نسق جديد من السلطة والمعنى. لقد تعاملت مع الدين كحقل تجارب مفتوح، قابل لإعادة التفسير والتوجيه، بما يتلاءم مع رهانات الهوية والسيطرة. وهكذا، لم يعد الخطاب الديني تعبيراً عن تجربة روحية، بل أصبح خطاباً يُعاد تشكيله باستمرار ليخدم مشروع الدولة وتوسّعها.
في هذا السياق، يمكن قراءة ما يُسمى بـ”إسرائيل الكبرى” كمشروع يتجاوز حدود الدولة القائمة، ويتغذى على تصورات دينية-رمزية تُمنح بعداً سياسياً. هذا المشروع لم يكن لينجح في الاستمرار لولا قدرته على دمج الدين بالسياسة، والروح بالمصلحة، والعقيدة بالاقتصاد. حيث يصبح المقدس أداة دنيوية فاعلة على مسرح العلاقات الدولية.
وإذا ما عدنا إلى التاريخ، نجد أن الحروب الدينية الكبرى، كالحروب الصليبية ومحاكم التفتيش، قد مثّلت نماذج مبكرة لتوظيف الدين في الصراع. غير أن الصهيونية أعادت إنتاج هذا النموذج في صيغة أكثر حداثة وتعقيداً، حيث لم تعد الحروب ذات طابع ديني مباشر، بل أصبحت مشبعة برموز دينية تُخفي خلفها مشاريع سياسية واستراتيجية عميقة.
إن ما يميز الصهيونية هو قدرتها على التحول: فهي علمانية في خطابها، دينية في رمزيتها، وعالمية في طموحها. وقد سعت إلى إعادة تشكيل الدين اليهودي، بل وحتى توظيف عناصر من المسيحية الصهيونية، في إطار مشروع حديثي عالمي يهدف إلى فرض رؤية معينة للدولة والهوية.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في نقد هذا المشروع، بل في إنتاج وعي جديد قادر على تجاوز إعادة إنتاج الأسئلة القديمة. وعيٌ لا يكتفي بإجابات مكررة، بل يجرؤ على إعادة صياغة الأسئلة ذاتها، وفصلها عن بيئاتها التقليدية، من أجل فهم أعمق للعلاقة بين الدين والسياسة في عالم متغير.
إن فهم جدلية “إسرائيل الكبرى” و”إسرائيل الصغرى” لا ينفصل عن فهم كيفية توظيف الدين في بناء المشاريع السياسية. وهو ما يفرض علينا إعادة التفكير في المفاهيم، وتفكيك الخطابات، وبناء رؤية نقدية قادرة على استيعاب تعقيدات الواقع، بعيداً عن التبسيط أو الاختزال.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن تحرير الدين من الاستخدام السياسي، أم أن تداخلهما سيظل سمة ملازمة لصراعات الهوية والسلطة في العالم المعاصر؟ هذا السؤال، بقدر ما هو فلسفي، هو أيضاً سؤال وجودي يرسم ملامح المستقبل.