جاري التحميل...

إسرائيل ما بعد نتنياهو: هزيمة اليمين اليهودي المتطرف من منظور فينومينولوجي

بقلم: الدكتور صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2

إن التفكير في إسرائيل ما بعد نتنياهو لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال السلطة ومن سيخلف رئيس الحكومة، بل يجب أن يتجاوز ظاهر الحدث السياسي إلى ماهية الوعي الذي ينتج هذا الحدث ويعيد إنتاجه. هنا تستحضر الفينومينولوجيا، بوصفها منهجاً لفهم الظواهر من خلال كيفية ظهورها للوعي، قدرتها على تفكيك البنية العميقة للفكر السياسي الإسرائيلي.
نتنياهو ليس مجرد شخص يتولى الحكم، بل يمثل مرحلة تاريخية تداخلت فيها القومية المتشددة مع المرجعيات الدينية، وأصبح فيها الأمن مبرراً مركزياً لإعادة تشكيل العلاقة مع الفلسطينيين. غير أن اختزال هذه البنية في شخصه يقود إلى خطأ معرفي؛ لأن رحيل الفاعل السياسي لا يعني بالضرورة زوال الوعي الذي منح سياساته شرعيتها.
إن السؤال الفلسفي الحقيقي ليس: من يحكم إسرائيل بعد نتنياهو؟ بل: أي وعي سياسي سيحكمها بعده؟
من منظور فينومينولوجي، ينبغي التمييز بين الظاهرة السياسية في ظهورها الخارجي، وما يستبطنه الوعي الجمعي من تصورات عن الأرض والهوية والتاريخ والآخر. فاليمين المتطرف لا يستمد قوته من المؤسسات الانتخابية وحدها، بل من قدرته على تحويل تصورات تاريخية ودينية معينة إلى حقائق سياسية تبدو، لدى أنصاره، بديهية وغير قابلة للمراجعة.
وهنا تتجلى أزمة الوعي: حين يتحول الأمن إلى أفق وحيد للفهم، ويُختزل الفلسطيني في صورة التهديد، تصبح التسوية السياسية صعبة حتى عندما تتغير القيادة. إن تجاوز هذه الأزمة يتطلب تفكيك الصور المسبقة التي تحجب إنسانية الآخر وحقوقه، وإعادة الاعتبار إلى الفلسطيني بوصفه ذاتاً تاريخية تمتلك حقها في الحرية وتقرير المصير.
أما هزيمة اليمين المتطرف، فلا يمكن قياسها بمجرد خسارته الانتخابات أو خروجه من الحكومة، بل بمدى تراجع الأفكار التي تغذي الاستيطان وترفض قيام الدولة الفلسطينية وتمنح السيطرة الدائمة على شعب آخر شرعية سياسية أو دينية. فقد يرحل نتنياهو، بينما تبقى النتنيانوية بوصفها بنية ذهنية وممارسة سياسية، وقد تتغير الوجوه دون أن يتغير جوهر العلاقة مع الفلسطينيين.
ومن هنا، فإن إسرائيل ما بعد نتنياهو تقف أمام اختبار يتجاوز تداول السلطة إلى مراجعة علاقتها بالتاريخ وبالآخر وبمفهوم الحق نفسه. فالتاريخ لا يمنح الشرعية المطلقة لأي شعب لحرمان شعب آخر من حقوقه، كما أن الذاكرة، مهما كانت عميقة، لا تستطيع أن تحل محل العدالة.
الخاتمة:
إن التحول التاريخي لا يبدأ حين يسقط الحاكم، بل حين يفقد الوعي الذي أنتجه قدرته على إعادة إنتاج ذاته. ومن هذا المنظور، فإن هزيمة اليمين اليهودي المتطرف تظل مرتبطة بإمكان الانتقال من وعي الإقصاء إلى وعي الاعتراف، ومن منطق السيطرة إلى منطق الحق، ومن إدارة الصراع إلى معالجة جذوره التاريخية والسياسية.
أما فلسطين، فلا تختزل كينونتها في تبدل الحكومات الإسرائيلية؛ فهي وجود تاريخي وحق سياسي ووعي جمعي متجذر. وستظل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة معياراً أساسياً لقياس أي تحول حقيقي في الموقف الإسرائيلي، لأن السلام لا يولد من تغيير الأسماء، بل من الاعتراف المتبادل بالحقوق والكرامة والحرية.
الدكتور صالح الشقباوي