الحصار الخانق،من كل الجهات والمنافذ،كان ولا زال أداة من أدوات الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر عام 2023،وما قبلها بسنوات طويلة إمدت سبعة عشر عاما،حيث أغلقت المعابر البرية تماما،وعلى رأسها معبر رفح البري الذي يربط الحدود الفلسطينية في قطاع غزة بجمهورية مصر العربية،وهو المعبر الوحيد الذي يربط قطاع غزة بالعالم،وقد تم وضع الترتيبات فيه ضمن اتفاقية 2005،بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل والاتحاد الأوروبي ومصر،حيث كان الدور الاروبي مراقبا في ميدان المعبر،بينما كان دور الاحتلال الذي سحب قواته ومستوطنية من القطاع في عام 2005 ضمن خطة فك الارتباط التي اعتمدها شارون،واكتفى بمراقبة سير عمل المعبر من بعيد مراقبة امنية،وقد مر المعبر بعدة تحولات أهمها الاحداث المؤسفة في العام 2007 التي مكنت حماس من السيطرة على القطاع،فإنسحبت قوة الشرطة الفلسطينية التي كانت تشرف على مرور المواطنين،كما انسحب المراقبون الأوروبيون،وحل محلهم موظفون جدد تابعون لحكومة حماس التي سيطرت على القطاع.
اليوم،وبعد حرب العامين التي شنتها إسرائيل على غزة وانتهت بوقف النار حسب خطة الرئيس الأمريكي دولاند ترامب،كان بند فتح معبر رفح في المرحلة الأولى من الاتفاق،لكن إسرائيل التي انفردت بترجمات خاصة لبنود هذا الاتفاق بما يحقق أهدافها،ويختزل التزاماتها،وضعت شرط إعادة كافة اسرها الاحياء والاموات حتى تتخذ الموقف من فتح معبر رفح،وعندما عادت اخر جثة لجندي إسرائيل انتشل من مقبرة البطش في حي الشجاعية قبل ايام،وقف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في الكنيست ليقول “الان تبدأ المرحلة الثانية بسحب سلاح حماس”،متجاهلا التزاماته في كثير من الأمور التي نصت عليها المرحلة الأولى،وعلى رأسها فتح معبر رفح في الاتجاهين كما نص عليه الاتفاق.
وتحت الضغط الأمريكي والذي تمثل مؤخرا بحضور كل ستيف وديكوف مساعد الرئيس الأمريكي وصهره جاريد كوشنير،يبدو أن حكومة الاحتلال وافقت على إعادة فتح المعبر وفق ما تراه مناسبا لمصلحتها،ووفق الخطط التي تضعها،حيث أن هذا المعبر ومن الجانب الذي تسيطر عليه إسرائيل كونها لا تزال تحتل وتسيطر سيطرة كاملة وتامة على مدينة رفح،ستضع نقطة تفتيش أمنية مباشرة حاكمة في وجه الغزّيين قبل الوصول للمعبر،بمعنى ان كل من يريد ان يغادر القطاع سواء مريضا او طالبا او مواطنا عاديا عليه ان يمر بالفحص الأمني الإسرائيلي،وبناء عليه يسمح له او يعاد او يعتقل، وكذلك القادمين،بل وكما تفيد الصحف الإسرائيلية ووكالات الاعلام سيتحكم الإسرائيليون بعدد المغادرين مسبقا على ان يتعدى عدد المغادرين المئتين يوميا.
ولم يقتصر الامر على المغادرين الذين يتمنى ويعمل الإسرائيليون على ان يكون مؤشر الخروج اكبر بكثير من مؤشر الدخول والعودة تنفيذا لساسة التهجير التي لم تسقطها من اجندتها،فإسرائيل تطالب كل من مصر والمراقبين الأوروبيين أن تتسلم قوائم المغادرين والداخلين قبل أربعة وعشرين ساعة من تحركهم في كلا الاتجاهيين،بالإضافة لما صرحه أحد قادة المجموعات المتعاونةمع إسرائيل في قطاع غزة وهو” غسان الدهيني” ان مجموعاته ستقوم بتفتيش المغادرين او القادمين الى غزة عبر معبر رفح.
إن فتح معبر رفح،كونه بندا هاما من بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف اطلاق النار في قطاع غزة حسب الخطة الترامبية،ــ يراد له كما كان في باقي البنود والالتزامات الاسرائيلية ــ أن يكون بشكل وترتيبات جديدة،بعيدا عن روح الاتفاق الأصلي الذي أوجد الية عمله في العام 2005، وأنه سيضاف إلى رؤية إسرائيل الأمنية والسياسية ذات الأهداف التي رفعتها واعلنتها أو الأهداف التي لم تعلن عنها،والمرتبطة بتصريحات لطالما اطلقتها إسرائيل عبر قادتها السياسيين والعسكريين وهي التمسك بمحور صلاح الدين “فيلدلفيا” ومعبر رفح، ضمن توجه عدم الانسحاب الكامل من القطاع، وتكوين حدود جديدة تربط القطاع بإسرائيل،وتواجد عسكري إسرائيلي دائم بمساحة لا تقل عن عشرين بالمئة من مساحة القطاع ،لتكون عمق امني لمستوطنات غلاف غزة،مهما وصلت مراحل تطبيق نقاط الاتفاق،وان ما تفعله وتمارسة إسرائيل على ارض الواقع ما هو الا تطبيق لهذه الرؤيا،وإعادة صناعة معبر رفح بيد إسرائيلية.
مقال سياسي





