ليس العقل العربي إشكاليةً عارضةً نشأت بفعل طارئٍ تاريخي أو صدمةٍ حضاريةٍ مفاجئة، بل هو سؤالٌ مؤجَّل، راكمت عليه القرون طبقاتٍ من الكفّ المعرفي، حتى غدا التفكير في العقل ذاته فعلاً إشكالياً، يكاد يُعَدّ ضرباً من الترف أو الخروج عن المألوف. فالعقل الذي لم يُمنَح فرصة أن يجعل من نفسه موضوعاً لاستفهامه، ظلّ أسير اشتباكٍ دائم مع الخارج، مشدوداً إلى الآخر بوصفه مرآةً مقلقة: إما مرآة النقص والدونية، أو مرآة الرفض والتحصّن الهويّاتي.
تحت وطأة مضاهاة الذات المستضعفة بالآخر المستقوي بتفوّقه المداهم، انكمشت الفسحة المعرفية التي كان يمكن أن يتحرّك فيها العقل العربي ليطرح على نفسه سؤال: كيف أفكّر؟ لا ماذا أملك من تراث، ولا كيف أُشابه غيري، بل كيف تتشكّل آليات اشتغالي الذهني، وحدود قابليتي للنقد، وشروط إنتاج المعنى داخلياً. لقد كان الآخر، في لحظة النهضة وما بعدها، حاضراً بوصفه نموذجاً مكتمل الصلاحية، لا بوصفه تجربة تاريخية مشروطة، قابلة للتفكيك والفهم والمساءلة.
وهكذا، بدلاً من أن تكون النهضة لحظة انبثاق لسؤال العقل العربي كذاتٍ عارفةٍ تسائل نفسها، تحوّلت إلى مشروع استعجالي لتعويض الفوات، عبر استيراد الأجوبة قبل امتلاك الأسئلة. لم يُستطلع العقل الغربي في منابعه الإبستمولوجية العميقة، ولا في علاقته المعقّدة بالعلم، والسلطة، والتاريخ، والقطيعة، بل جرى التعامل معه ككتلة متجانسة من التفوّق، ينبغي إمّا اللحاق بها أو الانكفاء دونها. فكان أن اقتصرت أفعال النقد على إنتاج حلقات متوالية من ثقافة المضاهاة: مضاهاة في المفاهيم، في النماذج، في المؤسسات، وحتى في أشكال الوعي، دون وعي بالشروط التي أنتجت تلك النماذج في سياقها الأصلي.
ثقافة المضاهاة هذه لم تُنتج معرفة، بل أعادت إنتاج التبعية في صيغةٍ فكريةٍ مهذّبة. إذ ظلت حبيسة تمسرحات المشاكلة، حيث يُستنسخ الشكل ويُغفل الجوهر، ويُحتفى بالنتائج دون المرور بمخاضاتها المعرفية. وفي المقابل، لم ينجح الخطاب الرافض في تقديم بديل معرفي، لأنه انزلق بدوره إلى تمجيد الذات الموروثة خارج كل لحظة تاريخية راهنة، متوهّماً أن الخلاص يكمن في الانكفاء على تراثٍ مُتخيَّل، منزوع السياق، مُعفًى من النقد.
في هذا السياق، تشكّلت الثنائية القاتلة: الشرق / الغرب، لا بوصفها علاقة جدلية مفتوحة، بل كتقابلٍ جامدٍ بين طرفين متنافيين. وهي ثنائية عجزت عن إنتاج أيّة جدلية معرفية خلاقة، لأن المشاكلة حبست التقابل في مرتبة التضاد العقيم. فإمّا تسليمٌ بطغيان الآخر، والتماهي معه حتى حدود الانمحاء، وإمّا رفضٌ مطلقٌ له، يتغذّى من تضخيم الذات، لا من مساءلتها. وفي كلا الموقفين، يُقصى العقل بوصفه فعلاً نقدياً حياً، ويُختزل إلى أداة تبرير أو دفاع.
إن الإشكال الأعمق هنا لا يكمن في العلاقة مع الغرب بحد ذاتها، بل في عجز العقل العربي عن إعادة تأسيس ذاته اختلافياً: أي أن يكون ذاته دون انغلاق، ومفتوحاً دون ذوبان. فالعقل الذي لا يجرؤ على القطع النقدي مع الموروث المكرور، ولا يمتلك في الوقت نفسه شجاعة تفكيك المستعار المجلوب، يبقى معلقاً في منطقة وسطى عقيمة، تتكرّر فيها الدورات الأيديولوجية المستنفذة، دون أن تُنتج تحوّلاً بنيوياً في أنماط التفكير.
إن الفعل المثاقِف، بوصفه أفقاً بديلاً، لا يعني استبدال المشاكلة بالاستنساخ العكسي، بل كسر حدّة التقابل، وتحويل العلاقة مع الآخر إلى علاقة مساءلة متبادلة، تُدرَك فيها الفوارق التاريخية والأنساق المعرفية المختلفة. المثاقفة ليست تلاقياً بين هويات مغلقة، بل اشتغالٌ نقديّ على المسافة بين الذات والآخر، حيث تتولّد المعرفة من الاحتكاك، لا من الذوبان أو التحصّن.
من هنا، فإن إعادة طرح إشكالية العقل العربي اليوم تقتضي الانتقال من سؤال: لماذا تأخّرنا؟ إلى سؤال أعمق وأكثر إيلاماً: كيف نفكّر تأخّرنا؟ وكيف نُعيد بناء أدوات التفكير ذاتها، لا شعاراتها؟ فالعقل الذي لم يتصالح بعد مع فعل النقد، ولم يجعل من ذاته موضوعاً دائماً للامتحان، سيظل يدور في فلك التبرير أو الإدانة، دون أن يلامس شروط إمكان نهضة معرفية حقيقية.
إن إنقاذ العقل العربي لا يكون باستدعاء أمجادٍ منقضية، ولا باستيراد نماذج جاهزة، بل بامتلاك الجرأة على تفكيك البنى الذهنية التي كبّلته طويلاً: بنى الخوف من السؤال، والارتياب من الاختلاف، والتماهي المرضي مع النموذج، أياً كان مصدره. وحده عقلٌ يعترف بتاريخيته، ويعي محدوديته، ويمارس نقده الذاتي بلا مواربة، قادرٌ على الخروج من أسر الثنائية، والدخول في أفق إنساني مفتوح، حيث المعرفة فعلُ مشاركةٍ في إنتاج العالم، لا مجرد ردّ فعلٍ على تفوّق الآخر أو تهديده.










