إنفانتينو.. حين يصبح الصمت انتقائية

بن معمر الحاج عيسى

مرة أخرى، يخرج رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو مدافعًا عن صحفي رياضي فرنسي صدر بحقه حكم بالسجن، مطالبًا بمنحه عفوًا يمكنه من حضور نهائيات كأس العالم. موقف قد يبدو في ظاهره إنسانيًا ونبيلًا، لولا أنه يثير سؤالًا جوهريًا: لماذا تتحرك إنسانية رئيس الفيفا في ملفات بعينها، بينما تلتزم الصمت المطبق أمام مآسٍ أكبر وأشد قسوة؟
إذا كان إنفانتينو حريصًا فعلًا على حرية الصحافة وحقوق الإعلاميين، فالأولى به أن يتذكر مئات الصحافيين الفلسطينيين الذين سقطوا ضحايا للعدوان، أو أولئك الذين يقبعون خلف القضبان لأنهم مارسوا حقهم في نقل الحقيقة. والأجدر به أن يرفع صوته دفاعًا عن الرياضيين والمسؤولين الذين تعرضوا للإقصاء والإهانة والمنع من التنقل والمشاركة في المنافسات الدولية، فقط لأنهم ينتمون إلى دول أو جنسيات لا تحظى بالاهتمام ذاته.
لقد سبق لرئيس الفيفا أن برر عجزه عن معالجة أزمة التأشيرات التي واجهت بعض المشاركين في البطولات الدولية، مؤكدًا أن منح التأشيرات شأن سيادي يخص الدولة المضيفة ولا يدخل ضمن صلاحيات الاتحاد الدولي. وإذا كان هذا هو منطقه عندما تعلق الأمر بالولايات المتحدة الأمريكية، فإن المنطق نفسه يقتضي منه احترام سيادة بقية الدول وعدم التدخل في قراراتها القضائية أو السياسية، مهما كانت طبيعة القضية أو هوية صاحبها.
إن المعضلة الحقيقية ليست في الدفاع عن صحفي أو رياضي أو مسؤول، بل في ازدواجية المعايير التي تجعل بعض القضايا تستحق البيانات والتصريحات والضغوط، بينما تُترك قضايا أخرى أكثر إلحاحًا وعدالة في دائرة التجاهل والنسيان. فالعدالة لا تتجزأ، وحقوق الإنسان لا تُقاس بالجنسية ولا بالوزن السياسي للدول.
لقد ظل إنفانتينو يردد لسنوات أن الرياضة يجب أن تبقى بعيدة عن التجاذبات السياسية، وأن كرة القدم وجدت لتوحيد الشعوب لا لتغذية الانقسامات. غير أن هذه القاعدة تبدو أحيانًا قابلة للتعليق عندما يتعلق الأمر بملفات معينة، فيما تُستدعى بقوة عندما يُطلب من الفيفا تحمل مسؤولياتها الأخلاقية تجاه قضايا أخرى.
من هنا، فإن أفضل نصيحة يمكن توجيهها لرئيس الفيفا هي أن يلتزم بالمبدأ الذي اختاره لنفسه. فإذا كانت الرياضة فعلًا فوق السياسة، فليكن ذلك في كل الحالات دون استثناء. وإذا كان احترام سيادة الدول حجةً معتمدةً في ملف ما، فيجب أن تبقى الحجة نفسها قائمة في جميع الملفات، لا أن تتحول إلى شعار يُستخدم عند الحاجة ويُهمل عند الضرورة.
كرة القدم أكبر من أن تكون أداة للانتقائية، والفيفا أكبر من أن تُتهم بازدواجية المعايير. لذلك، فإن إنفانتينو مدعو اليوم إلى مراجعة خطابه ومواقفه، لأن مصداقية المؤسسات الدولية لا تُبنى على قوة التصريحات، بل على اتساق المبادئ. أما الجماهير التي تعشق اللعبة في كل القارات، فهي لا تنتظر من رئيس الفيفا أن يمارس السياسة، بل أن يحمي عدالة الرياضة وأن يقف على المسافة نفسها من الجميع.
ابقَ في دائرة اختصاصك يا إنفانتينو، واترك للدول مؤسساتها وسيادتها، وللقضاء أحكامه، وللسياسة ساحاتها. أما كرة القدم، فدعها تظل اللغة الوحيدة التي تجمع الشعوب بدل أن تتحول إلى منصة للانتقاء والكيل بمكيالين.