أستاذ جامعي – محلل سياسي واستراتيجي
أمام دقة المرحلة التاريخية وتعقيدها، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح: لماذا تراجعت الولايات المتحدة عن توجيه ضربة عسكرية لإيران في اللحظة الأخيرة، رغم الحشد العسكري غير المسبوق في البر والبحر والجو؟ وهل يعني ذلك انتصاراً إيرانياً دون خوض حرب مباشرة؟
للإجابة، لا بد من الانطلاق من فرضية مركزية مفادها أن إيران ليست فنزويلا، لا في بنيتها السوسيولوجية، ولا في طبيعة نظامها السياسي، ولا في عمقها الحضاري، ولا في منظومتها الأمنية والعقائدية، ولا في موقعها الجيوسياسي داخل النظام الدولي.
أولاً: ثبات نظام الدولة في إيران
إيران دولة ذات نظام تيولوجي–سياسي متجذر، يستند إلى شرعية دينية، لكنه في الوقت نفسه محاط بمؤسسات دولة صلبة، وعلى رأسها جيش عقائدي (الحرس الثوري) لا يحمي النظام فقط، بل يعتبر نفسه حارساً للهوية والوجود والسيادة.
هذا البعد العقائدي–السوسيولوجي يجعل فكرة إسقاط النظام من الخارج وهماً استراتيجياً، لأن الصراع لا يتحول إلى نزاع سياسي داخلي، بل إلى معركة وجود وكرامة وطنية.
ثانياً: فشل الرهان الاستخباراتي
أحد أسباب التراجع الأمريكي يتمثل في فشل الحرب الاستخباراتية. فقد تمكنت الأجهزة الأمنية الإيرانية من تفكيك شبكات تجسس واسعة، وتصفية عملاء، والحصول على معطيات حساسة كشفت عمق الاختراق ومحاولات التخريب الداخلي.
هذا النجاح الأمني أصاب الـCIA والموساد بنكسة قاسية، وأدخل إسرائيل في حالة قلق وجودي حقيقي، لأن سقوط شبكة العيون يعني العمى الاستراتيجي في أي حرب قادمة.
ثالثاً: لماذا ذهب نتنياهو إلى واشنطن؟
زيارة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن لم تكن للتحريض على الحرب، بل لمنعها.
إسرائيل، رغم خطابها العدواني، تدرك أن أي ضربة أمريكية لإيران ستقود إلى رد إيراني واسع، قد يشمل آلاف الصواريخ الباليستية الدقيقة، وقصفاً شاملاً قد يشل البنية التحتية ويُدخل الكيان في حرب لا قدرة له على تحملها.
إسرائيل هذه المرة لم تطلب الحرب، بل طلبت تأجيلها.
رابعاً: الموقف الخليجي وتحول المعادلة الإقليمية
من العوامل الحاسمة أيضاً الرفض القاطع من دول خليجية للسماح باستخدام أراضيها أو أجوائها لضرب إيران.
هذا الرفض لا يعكس تعاطفاً سياسياً بقدر ما يعكس إدراكاً سوسيولوجياً–أمنياً بأن الحرب لن تكون محدودة، وأن ارتداداتها ستكون كارثية على استقرار الخليج نفسه.
خامساً: عجز واشنطن الاستراتيجي
الإدارة الأمريكية تواجه ثلاث حقائق صلبة:
عجز عن إسقاط النظام الإيراني.
عجز عن نزع المشروع النووي أو إجبار إيران على تسليم اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.
عجز عن تحييد المشروع الصاروخي الباليستي الذي يشكل عمود الردع الإيراني.
وهنا تتأكد القاعدة الكلاسيكية في علم الصراع:
حين تفقد القوة العظمى القدرة على فرض شروطها، تبدأ مرحلة التراجع لا التقدم.
سادساً: التحول في العقيدة العسكرية الإيرانية
إيران لم تعد تفكر فقط في الصواريخ التقليدية، بل في ضربات استراتيجية نوعية، قد تشمل استخدام أسلحة كهرومغناطيسية (EMP) قادرة على شل منظومات الاتصال والطاقة والتكنولوجيا.
في هذه المواجهة المحتملة لا توجد مناطق ظل، ولا جبهات خلفية آمنة، بل حرب شاملة على مستوى البنية لا الجغرافيا فقط.
خاتمة: لماذا انتصرت إيران دون حرب؟
إيران انتصرت لأنها:
منعت إسقاط نظامها.
أفشلت الحرب الاستخباراتية.
فرضت معادلة ردع جديدة.
كشفت حدود القوة الأمريكية.
وأثبتت أن الدولة العقائدية المتماسكة لا تُدار بمنطق الانقلابات ولا تُسقط بضربة خاطفة.
إيران ليست فنزويلا،
وما جرى ليس تأجيلاً للحرب فقط،
بل اعترافاً ضمنياً بأن ميزان القوة تغيّر.





