إيران… والمرض العضال لنخبتنا العربية:

د. ليلى الهمامي

بالتوازي مع مجريات الحرب على إيران، الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل، بهدف تجريد النظام الإيراني من قدراته على تصنيع القنبلة النووية، وعلى تجهيز جيوشه وقواه العسكرية بالأسلحة البالستية اي منظومة الصواريخ ؛ أتابع أيضا باهتمام ما يحصل على الساحة السياسية العربية.
بالنسبة للاحزاب وبالنسبة للتيارات السياسية، وبالطبع أكثر المظاهر التي يمكن أن نقف عندها وأن نسطر تحت الجملة السياسية الانتهازية التي استفحلت داخل الطبقات السياسية العربية، أمر بالفعل غريب، أمر بالفعل يدفع نحو الغثيان… حقيقة دون مبالغة.
الإخوان، كما يعلم الجميع في سياق المخاتلة، الاخوان في تونس، في المغرب، في الاردن، في مصر، وفي عموم المنطقة العربية يطالبون بالديمقراطية، بل يستميتون من أجل أن تكون هنالك حياة ديمقراطية في المعنى الليبرالي، لمجتمع مفتوح، لمجتمع يعطي الأهميه لكل تفاصيل الأقليات… لكن، الاخوان من حيث أنهم حركة انتهازية، يدعّمون بالفعل (وهذا أمر لافت من منطلق إيديولوجي، ومن منطلق المشروع التيوقراطي)،،، يدعّمون النظام الإيراني، دعما كليا على شبكات التواصل الاجتماعي وفي مستوى المداخلات… والجميع يهرول في اتجاه الدعم، بدعوى معاداة الإمبريالية والصهيونية…
جلي وواضح،،، وتنفضح نوايا الإخوان أن المسألة الديمقراطية في هذه المناسبة، في هذه المحطة، لا تعني الإخوان.
ما يعني الإخوان في المقام الأول هو المشروع التيوقراطي، الدولة الدينية؛ وهذا ما يوحّد بين الإخوان وبين النظام الإيراني. في ما يخص المسألة الديمقراطية، بالنسبة لهم: “إلى الجحيم الديمقراطية، إلى الجحيم حقوق الانسان”… “رجم النساء في الشوارع، الاعدامات والشنق في الساحات هذا لا يحرج الإخوان ولا يزعجهم”… “إطلاق النار على المتظاهرين وسقوط مئات من المتظاهرين، تلك مسالة ثانوية بالنسبة للإخوان ،المهم أن هنالك دولة دينية، المهم أن هنالك مرجعية دينية”.
هذه هي حقيقة الإخوان. وبالتوازي مع هذا، يبقون على المراهنة على أردوغان… بالنسبة للإخوان، الباب العالي العثماني التركي بوابة هامة، يحافظون عليها… يُطبّع أردوغان مع اسرائيل ويبرم اتفاقيات عسكرية، والجيش الاسرائيلي جيش الطيران له دُربات على الأناضول: هذه مسائل لا تعني الإخوان. المهم أن يكون أردوغان إخوانيّا،،، حتى في إطار دولة علمانية؛ هنا ننفتح طبعا على مشروع الحكم الإخواني، بالطبع في نسخة أكثر أصولية، أكثر تجذرا في التراث: “نريد أن نكون مثل أردوغان، لكن ليس بليبرالية الدولة التركية”؛ الدولة التركية حافظت على شيء من العلمانية الموروثه عن كمال اتاتورك. لكن، “نحن في هذه الحالة نريد أن نكون في نسخة شبيهة بأردوغان، لكنها نسخة أكثر تخلفا، يعني، دولة في سياق عربي خاص، منغلق، ومتقوقع على تقاليد بالية”. هذا هو مشروعهم. وفي كل مناسبة، يؤكدون أنهم أكثر التيارات انتهازية !!!
عدا الإخوان، نجد التيار القومي. والتيار القومي تيار غريب جدا؛ المفروض أن يكون منتصرا للقومية العربية. لكن يبدو أن التيار القومي لم يعد له بوصلة. التيار القومي فقد البوصلة وأصبح يتبع ويتذيل بطريقة ارادية لنظام الملالي في ايران. هذا النظام الذي ذبّح كل المعارضات، الذي أعدم ومنع وقمع بطريقة وحشية التيارات اليسارية التي ساهمت في الثورة، هذا النظام الذي لم يختلف مع الشاه إلا في علاقة بمشروع التحديث والثورة البيضاء التي قرر الشاه آنذاك أن يحدثها، والتي من خلالها هدد حكم طبقة رجال الدين!!!!
كل هذا بالطبع، بالنسبة للتيار القومي وبالنسبة للقوميين الذين فقدوا العقل وفقدوا البوصلة، كل هذا لا يعنيهم، ولا يعنيهم إلا أن تكون هنالك قوة لا تنازع إسرائيل ولا تنازع الولايات المتحدة الامريكية إلا في أنها تسعى لأن تكون لاعبا إقليميا وفقط،،، أن تكون لاعبا إقليميا أعلى وأقوى من العرب فقط،،،، أن تكون متفوقه بالسلاح النووي والبالستي.
هذا هو المشروع الذي يدعمه جل القوميين؛ “إلى الجحيم الأمن القومي العربي، الى الجحيم الشعب اللبناني، الى الجحيم الاطفال والنساء والفتيات والشيوخ في لبنان وأن يُسحقوا، لأن حزب الله قرر بمفرده أن يشن حربا على إسرائيل، أن يدخل الحرب لإسناد إيران، لإحداث حالة من تشتيت القوى العسكرية الاسرائيلية”… يعني كل هذا بالنسبة للتيارات القومية الهُمامة، مسألة ثانوية؛ “إلى الجحيم أكثر من 70,000 شهيد في غزة، لأن حماس قررت أن تدار الامور هكذا”، “لا ديمقراطية ولا قرار موحد، ولا منظمة تحرير فلسطينية، ولا مجلس وطني وإلى الجحيم الانسان العربي”….
يعني، برب الكعبة، إن كنتم تفهمون، إن كنتم تفهمون، أيّ مكسب وأي فرق بين مكونات هذا المشهد العربي البائس والتعيس؟
الإنسان العربي يُقهَر، الانسان العربي يُقتَل بقرار أحادي، بقرار معزول، بقرار فوقي، إما من معارضات مأجورة، إما من معارضات عميلة، او من أنظمة محافظة، تماما كما كانت عليه الأحوال تحت حكم البعث مع صدام، أو حكم البعث مع حافظ الأسد ومن بعده بشار، أو التجارب القومية والاخوانية التي عبرت السودان والتي عبرت اليمن…
واقع عربي تعيس جدا … واقع عربي تعيس !!! ويتاكد أنه، حتى من يطرح نفسه كبديل، هو أتعس وأكثر رداءة من الأنظمة السياسية التي عرفها العالم العربي خلال ستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي.
في ضميري، وعقيدتي، إلى الجحيم كل الاطروحات وكل البيانات إذا كان الثمن دم عربي يُستنزف من أجل مصالح دول أخرى، من أجل مصالح دول أجنبية… كل هذا من اجل ماذا؟ من أجل أن يتذيل أحد العملاء أو أحد الزعانف السياسية لسيده في تركيا او لسيده في طهران.
في المقابل، ما يعزّي قليلا، أن الأنظمة العربية كانت بياناتها متضامنة، على الأقل مع بعضها البعض. وتضامنت العرب مع بلدان الخليج التي تم استهدافها من الجيش الايراني. وهذا بالطبع هو الحد الادنى… لكن، سبق وقلت بأن هذا خطأ تكتيكي وقلنا بان المملكة العربية السعودية كانت ضد الحرب، وكانت في أكثر من مناسبة تؤكد من خلال ولي عهدها، بان السبيل لحل المشكل هو التفاوض والجلوس الى مائدة المفاوضات، وةن الدبلوماسية هي السبيل وأن الحرب لا تخدم مصالح هذه البلدان، يعني لم تكن هذه البلدان داعمة لهذه الهجمة العسكرية على إيران،،، ومع ذلك استهدفتها إيران، ومع ذلك، البعض يؤكد على ان المسالة مسالة تتجاوز إراده الدول وسيادة الدول:
“المسالة هي “مسالة المقاومة
وتحت عنوان المقاومة، طبعا، تتسرب التيارات الأكثر فاشية. وتحت عنوان المقاومة تتسرب المخططات التي تستهدف الأمن القومي العربي، او ما تبقى من الأمن القوم العربي. لكن الأمن القومي العربي هو معطى موضوعي بقطع النظر عن الانظمة، بقطع النظر عن المعارضات، هو معطى موضوعي؛ حقيقة موجودة بقطع النظر عن التأويل، بقطع النظر عن السياسات الملموسة.
كل هذا يؤكد أننا في واقع تعيس. كل هذا يذكرنا في كل مرة بأننا نواجه مأساة حقيقية. هذه الماساة هي مأساة فكر. هي مأساة حالة من الخصي السياسي الذي يدفعنا أو يدفع البعض منا نحو التذيل والعمالة في كل مناسبة.
نتابع ولنا قول آخر…