السياسي – كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في تقرير أن الاحتلال الإسرائيلي تمكن خلال الحرب الأخيرة مع إيران من استهداف قادة بارزين في طهران عبر اختراق الدائرة الأمنية المحيطة بهم، مستغلة هواتف الحراس والسائقين والمرافقين، في واحدة من أكثر الضربات الاستخباراتية تعقيداً وخطورة منذ عقود.
وذكرت الصحيفة أن أحد أبرز المشاهد التي عكست حجم الاختراق وقع في 16 حزيران/ يونيو الماضي، حين عقد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني اجتماعاً سرياً داخل نفق محصن على عمق 30 متراً تحت جبل في غرب طهران. ضم الاجتماع الرئيس مسعود بزشكيان، ورؤساء السلطتين القضائية والتشريعية، إلى جانب كبار القادة العسكريين ووزراء الداخلية والدفاع والاستخبارات.
ورغم الاحتياطات الأمنية المشددة التي شملت حظر استخدام الهواتف المحمولة على المسؤولين أنفسهم، قصفت المقاتلات الإسرائيلية مداخل المخبأ بستة صواريخ بعد بدء الاجتماع بدقائق. القادة خرجوا أحياء، لكنهم وجدوا عدداً من الحراس قتلى عند المداخل.
وبحسب الصحيفة، سرعان ما اكتشفت الأجهزة الأمنية الإيرانية أن الاختراق وقع عبر هواتف الحراس والمرافقين الذين بقوا خارج القاعة، حيث تمكنت الاستخبارات الإسرائيلية من تتبع إشاراتهم وتحديد مكان الاجتماع بدقة.
-الحلقة الأضعف.. الهواتف المحمولة
أشارت نيويورك تايمز إلى أن هذه الثغرة لم تكن حادثاً عابراً، بل امتداداً لاستخدام غير منضبط للهواتف المحمولة من قبل حراس ومسؤولين ميدانيين على مدى سنوات، بما في ذلك نشر صور ومعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي.
ونقلت الصحيفة عن ساسان كريمي، المسؤول السابق في الحكومة الإيرانية، قوله إن كبار القادة كانوا ملتزمين بعدم حمل هواتف، “لكن الحراس والسائقين لم يأخذوا الأمر على محمل الجد، وهو ما أتاح لإسرائيل رصد تحركاتهم واستهدافهم”.
وبحسب مسؤولين إيرانيين وإسرائيليين تحدثوا للصحيفة، فقد ركز الاحتلال الإسرائيلي منذ نهاية عام 2022 على إعداد خطط لاغتيال العلماء النوويين وقادة الحرس الثوري.
أطلقت تل أبيب على العملية ضد القادة العسكريين اسم “الزفاف الأحمر”، في إشارة إلى مشهد دموي في مسلسل “صراع العروش”، فيما سمت الحملة ضد العلماء النوويين بـ “مجموعة السلاح”.
ووفق التقرير، فإن الاحتلال الإسرائيلي درس ملفات نحو 400 عالم نووي، واختار في النهاية 100 فقط ليكونوا على قائمة الاستهداف. وفي الأسبوع الأول من الحرب في حزيران/ يونيو الماضي، تمكن من قتل 13 عالماً، بينهم شخصيات بارزة مثل محمد مهدي طهرانجي وفريدون عباسي.
-تفوق تكنولوجي.. واختراقات داخلية
أكدت الصحيفة أن تفوق الاحتلال الإسرائيلي التكنولوجي لعب الدور الأبرز، حيث استعانت بالأقمار الصناعية وأدوات التنصت الإلكتروني لتحديد أماكن الاجتماعات واللقاءات السرية.
لكنها أوضحت أيضاً أن هناك جانباً بشرياً لا يقل أهمية، إذ تسلل عملاء إلى مواقع حساسة داخل إيران. ونقلت عن مسؤولين إيرانيين قولهم إن “التغلغل الإسرائيلي وصل إلى أعلى مستويات اتخاذ القرار”، مشيرين إلى اعتقالات واسعة طالت ضباطاً ومسؤولين رفيعي المستوى.
كما أعدمت إيران عالماً نووياً بتهمة التجسس لصالح الاحتلال الإسرائيلي، بينما وضع عشرات الضباط تحت الإقامة الجبرية.
خلّفت الهجمات الإسرائيلية حالة من الارتباك داخل الأجهزة الأمنية الإيرانية. وقالت نيويورك تايمز إن قائد الحرس الثوري الجديد، العميد أحمد وحيدي، اعترف علناً بأن الاحتلال الإسرائيلي يجمع معظم معلوماته عبر التكنولوجيا المتقدمة، لكنه أشار أيضاً إلى وجود عملاء على الأرض.
وبحسب مسؤولين إيرانيين تحدثوا للصحيفة، فإن أوامر المرشد علي خامنئي كانت صارمة بزيادة أعداد الحراس وتشديد الإجراءات الأمنية، بما في ذلك حظر شامل على استخدام الهواتف الذكية والتطبيقات مثل “واتساب”.
لكن الحظر لم يشمل في البداية الحراس، وهو ما استغله الاحتلال بذكاء، حتى تم تعديل القواعد بعد الاغتيالات المتسارعة. ومع ذلك، أشار التقرير إلى أن أحد الحراس خالف التعليمات وحمل هاتفه إلى اجتماع في حزيران/ يونيو الماضي، وهو ما مكّن تل أبيب من استهداف الموقع.
-عمليات متوازية في العمق الإيراني
إلى جانب اغتيال العلماء، شملت العمليات الإسرائيلية اغتيال عشرات القادة العسكريين، من بينهم اللواء أمير علي حاجي زاده، قائد القوة الجوية في الحرس الثوري.
وتحدثت الصحيفة عن مشهد درامي خلال مقتله، حيث اجتمع مع فريقه لمتابعة المعلومات الاستخباراتية، قبل أن تستهدفه غارة إسرائيلية دقيقة أودت بحياته وحياة كبار مساعديه.
كذلك قتل أكثر من 30 قائداً عسكرياً إيرانياً في الأسبوع الأول من الحرب، وفق ما أكده مسؤولون للصحيفة.
ترى نيويورك تايمز أن نجاح الاحتلال الإسرائيلي في توجيه هذه الضربات أظهر “الخلل البنيوي” في المنظومة الأمنية الإيرانية. إذ لم تقتصر النتائج على الخسائر البشرية، بل أوجدت حالة من الشك المتبادل داخل أروقة السلطة، وزادت من وتيرة الاعتقالات الداخلية، وأضعفت ثقة القادة في أجهزتهم الأمنية.
المحلل الإيراني حمزة صافي، نجل المستشار العسكري للمرشد، اعتبر أن “التفوق التكنولوجي الإسرائيلي يشكل تهديداً وجودياً”، داعياً إلى مراجعة شاملة للبنية الأمنية والاستخباراتية الإيرانية.
-معركة تجسس متواصلة
وبينما تواصل طهران مطاردة المشتبه بتعاونهم مع الاحتلال٬ كشفت وزارة الاستخبارات الإيرانية عن إحباط 13 محاولة اغتيال جديدة ضد 35 مسؤولاً بارزاً خلال الأشهر السابقة، إضافة إلى اعتقال 21 شخصاً بتهمة التعاون مع “الموساد”.
في المقابل، أشارت الصحيفة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي اعتقل خلال العام الماضي عشرات الإسرائيليين بتهمة العمل عملاء لصالح إيران، ما يعكس استمرار “حرب الظل” المتبادلة بين الجانبين.
خلصت نيويورك تايمز إلى أن الهجمات الإسرائيلية في حزيران/ يونيو الماضي مثّلت ضربة غير مسبوقة للأمن الإيراني، بعد أن كشفت “الحلقة الأضعف” في منظومة الحماية وهي الهواتف المحمولة للحراس.
ورغم محاولات طهران لاحتواء الاختراق عبر إعدامات واعتقالات وتشديد الإجراءات، فإن الصراع الاستخباراتي مرشح للاستمرار بوتيرة أشد، في ظل سباق مفتوح بين تكنولوجيا إسرائيلية متقدمة ومحاولات إيرانية لإغلاق ثغراتها الأمنية.