السياسي -متابعات
في عقد التسعينيات وبداية الألفية بزغ نجم عدد كبير من الفنانات العربيات اللواتي تصدّرن المشهد الغنائي، وسيطرن على الإذاعات والشاشات، وحققت أغانيهن آنذاك مشاهدات وشهرة واسعة قبل أن يختفين تدريجياً عن الساحة الفنية، تاركات وراءهن علامات استفهام حول أسباب هذا الغياب المفاجئ.
ومن بين هذه الأسماء فنانات مثل غريس ديب وباسمة ودارين حدشيتي وكاتيا حرب وإلين خلف ومايا نصري، اللواتي تصدّرن المشهد الغنائي العربي قبل أن يأفل نجمهن فجأة.
غريس ديب
برزت غريس ديب كحالة فنية خاصة، بصوت يمزج بين الشرق والغرب، وأغانٍ بثلاث لغات، حققت نجاحاً كبيراً بأعمال مثل “Comme Toi” وأكتر من غرام، ولقّبت بـ”داليدا العرب”، لكن بعد انفصالها عن شركة الإنتاج التي كانت تعمل معها حينها، ومرورها بظروف عائلية صعبة أبرزها مرض والدتها ووفاتها، تراجعت وتيرتها الفنية بشكل واضح، لتغيب سنوات طويلة قبل أن تعود بأعمال متفرقة، من دون استعادة الزخم السابق.
باسمة
حققت باسمة نجاحاً لافتاً في مطلع الألفية، وقدّمت أغانٍ أصبحت من كلاسيكيات تلك المرحلة، تعاونت مع كبار الملحنين من عائلة الرحباني، وكانت من نجمات الصف الأول، إلا أنها قررت الاعتزال والابتعاد الكامل، قبل أن تعود بعد سنوات بتصريحات صادمة كشفت فيها عن أزمات نفسية وتجارب قاسية داخل الوسط الفني، مؤكدة أن قرارها جاء لحماية نفسها.
دارين حدشيتي
سطع نجم دارين حدشيتي عام 2005 بأغانٍ لاقت رواجاً واسعاً، لكن مسيرتها توقفت فجأة بعد وفاة مدير أعمالها، وهو ما شكّل صدمة شخصية ومهنية دفعتها إلى الابتعاد عن الساحة، رغم استمرار تواصلها المحدود مع جمهورها عبر السوشيال ميديا وكانت أشهر أغنياتها “قدام الكل”، و”بعدك بكل المطارح” و”حبيبي يا ملاك”.

كاتيا حرب
أما الفنانة كاتيا حرب ففي أوج نجاحها عقب تخرجها من برنامج استديو الفن، فاجأت جمهورها بقرار الاعتزال عام 2005، متجهة لدراسة اللاهوت والعمل الإنساني، إذ اختارت مساراً روحياً بعيداً عن الأضواء، مكتفية بذكريات نجاحها الفني وأشهر أغنياتها كانت “قد الحب” “ما فينا” و”الباب العالي”.
إلين خلف
وعلى غرارها الفنانة إلين خلف المغنية اللبنانية التي لقبت عند ظهورها بـ”سندريلا الأغنية العربية” لكثرة نشاطها وحضورها القوي في التسعينيات وبداية الألفية، إلا أن قرار الزواج والابتعاد عن الوسط الفني أنهى حضورها الغنائي، رغم بقائها حاضرة إعلامياً عبر منصات التواصل، وكانت أشهر أغنياتها “مني ليك”، “حاولت أنساك”.
مايا نصري
استطاعت مايا نصري أن تحجز مكانة مميزة بصوتها المختلف وأغانيها الناجحة، لكنها اعتزلت الفن عام 2012 بعد الزواج، ولاحقاً عادت بأعمال تمثيلية محدودة، من دون أن تستعيد حضورها الغنائي السابق وكانت أشهر أغنياتها “الأسمراني مر”، “حبة حب”، “أخبارك إيه”.
الناقد الفني
يعلق الناقد الفني المصري أحمد سعد عبر 24 على ظاهرة أفول نجم بعض الفنانين ويقول :”هذه الظاهرة ممتدة منذ سنوات، وتكررت مع مطربين كانوا ملء السمع والبصر، سيطروا على المشهد الغنائي في فترات معينة، ثم ابتعدوا طويلًا قبل محاولات عودة متعثرة، لا تنجح دائماً في استعادة الزخم السابق”.
وأوضح أحمد سعد لـ24 أن أحد أهم أسباب اختفاء بعض النجوم يعود إلى طريقة تعاملهم مع المهنة نفسها، فبعض الفنانين تعاملوا مع الغناء وكأنه هواية لا احتراف، يعملون عندما يرغبون ويتوقفون عندما يشعرون بالملل، من دون إدراك أن الجمهور ينتظر منهم حضوراً مستمراً ومتجدداً.
ويضرب مثالًا بفنانة كانت نجمة الصف الأول في لبنان والخليج، لكنها كانت تختار العمل وفق مزاجها فتغيب طويلًا ثم تعود، غير مدركة أن الغياب له ثمن، وأن الجمهور لا ينتظر إلى الأبد، الأمر نفسه بحسبه، تكرر مع مطربين كبار في مصر، كانوا منافسين مباشرين لنجوم الصف الأول، لكنهم اختاروا التوقف أو التباطؤ في الإنتاج لسنوات، فخسروا مواقعهم تدريجياً لدى الجمهور.
هل شركات الإنتاج مذنبة؟
يرى أحمد سعد أن بعض شركات الإنتاج تتحمل جزءاً من المسؤولية، خصوصاً تلك التي كانت تؤخر طرح الألبومات لسنوات، ما يؤدي إلى إبعاد النجم عن جمهوره وحرق رصيده الفني ببطء، لكن في المقابل بحسب سعد أن المسؤولية الكبرى تقع على الفنان نفسه.
ويقول سعد النجم الحقيقي، بحسب رأيه، يعرف كيف يحافظ على وجوده مهما تغيّرت الشركات أو الظروف، مستشهداً بنموذج الفنان الذي يطرح أغانٍ منفردة باستمرار ليبقى حاضراً في وجدان الجمهور، حتى في الفترات الانتقالية.
حول سؤال تغيّر ذائقة الجمهور، يوضح الناقد أن المشكلة ليست في الجمهور بقدر ما هي في الفنان، فالذي يريد الاستمرار لا يتوقف عن الجري، ولا ينتظر نجاح عمل واحد، وإن لم تتوافق أغنية مع ذوق الجمهور، يسارع مباشرة إلى تجربة أخرى أقرب لهم، الغياب الطويل، برأيه، يعكس غالباً مشكلة في شخصية الفنان أو في إدارته لمسيرته، لا في الجمهور نفسه.
ويعترف أحمد سعد بأن التوقيت عنصر مهم، لكن لم يعد غامضاً كما في السابق، إذ أصبحت خريطة السوق واضحة نسبياً معتبراً أن المشكلة الحقيقية تكمن في الخيارات الفنية: الأغاني، الصورة، الهوية، وطريقة الظهور.
فلم يعد الصوت الجميل وحده كافياً بل بات مطلوباً من الفنان أن يطوّر شكله، وأسلوبه، وطريقة حضوره الإعلامي، وأن يعرف متى يظهر ومتى يختفي، بما يواكب العصر.
هل العودة ممكنة؟
يؤكد الناقد أن العودة بعد غياب طويل ممكنة، لكنها بالغة الصعوبة، فبعض الأسماء غابت لعقود، والجيل الذي عرفها كبر، بينما الجيل الجديد لا يعرفها أصلًا، ما يجعل العودة أشبه بالبداية من الصفر.
وفي حالات أخرى، لفنانين لم ينقطعوا كلياً عن الساحة وظهروا بين فترة وأخرى، تكون العودة أسهل نسبياً لكنها لا تعيد النجومية نفسها، بل تتطلب وقتاً طويلًا وجهداً مضاعفاً لمنافسة جيل جديد.
ماذا تحتاج الفنانة الغائبة اليوم؟
بحسب أحمد سعد، لا توجد وصفة واحدة للعودة، لكن هناك متطلبات أساسية: منها صورة جديدة مختلفة كلياً عن الماضي، وأغنية قوية بكلمات معاصرة ولحن حديث، إدارة فنية واعية، ظهور إعلامي مدروس، وفهم عميق لتحولات الزمن والذائقة.
ويضيف أن الزمن لا يعود إلى الوراء، وأن حتى كبار عمالقة الطرب لو كانوا أحياء اليوم، لاضطروا إلى تطوير أنفسهم وشكلهم الفني بما يتناسب مع العصر، ويرى أحمد سعد أن النجومية مسؤولية مستمرة، وليست حالة دائمة.






