اكتشاف مدينة خفية تضم ملايين النحل تحت مقابر نيويورك

لغز بيئي جديد..

السياسي -متابعات

كشف علماء الحشرات في جامعة كورنيل عن ظاهرة بيئية مذهلة تكمن أسفل التربة الهادئة لمقبرة “إيست لون” (East Lawn) في مدينة إيثاكا، حيث عُثر على واحدة من أكبر التجمعات السكنية للنحل في العالم، تضم ما يقدر بنحو 5.5 مليون نحلة تعيش في أنفاق سرية تحت الأرض.

بدأ هذا الكشف المثير بمحض الصدفة حين عثرت راشيل فوردايس، الفنية في مختبر علم الحشرات بجامعة كورنيل، على بقعة لانتظار السيارات بالقرب من المقبرة. وأثناء سيرها، لاحظت نشاطاً غزيراً للنحل ينبعث من الأرض، مما دفعها لجمع عينات وعرضها على زملائها، لتبدأ من هنا رحلة استكشاف هذا “اللغز البيئي”.

وعلى عكس النحل الطنان الذي يعيش في خلايا جماعية، ينتمي هذا النوع إلى فصيلة “نحل المناجم العادي”، وهو نوع يفضل العيش المنفرد في جحور أرضية.

وتشير التقديرات العلمية إلى أن كل متر مربع من تربة المقبرة الرملية يضم نحو 853 نحلة، مما يجعل هذا التجمع الأكبر من نوعه المسجل في الأدبيات العلمية حتى الآن.

ويرى العلماء أن الهدوء، وغياب المبيدات الحشرية، وعدم اضطراب التربة أو حرثها، جعل من المقابر بيئات مثالية وملاذات آمنة لهذه الحشرات الحساسة التي تمثل 75% من أنواع النحل عالمياً.

واعتمد الباحثون على منهجية ميدانية دقيقة شملت استخدام مصائد خروج لقياس كثافة النحل خلال موسم الربيع، حيث أظهرت النتائج وجود مئات النحل في كل متر مربع من التربة الرملية، مع تسجيل أكثر من 3 آلاف حشرة من 16 نوعاً مختلفاً، ما سمح بتقدير أعداد التجمع الكلي بملايين الأفراد.

ولا يعد هذا الاكتشاف مجرد فضول علمي، بل هو كشف عن “محرك اقتصادي” طبيعي؛ فهذا النحل يُعد من أهم الملقحات لمحاصيل التفاح والتوت الأزرق في نيويورك، لكنه يواجه في الوقت نفسه تهديدات بيئية من بينها الطفيليات الطبيعية مثل Nomada imbricata، المعروفة بسلوكها الطفيلي على أعشاش النحل الأرضي.

وحذر الباحثون من أن هذه التجمعات الضخمة قد تكون أكثر انتشاراً مما هو معروف حالياً، لكنها مهددة بسبب التوسع العمراني أو تغيير استخدامات الأراضي، مؤكدين أن المقابر والمناطق غير المضطربة تمثل بيئات مثالية لبقاء هذا النوع من النحل.

واختتمت الدراسة المنشورة في مجلة Apidologie بالتأكيد على أهمية تعزيز الوعي العالمي بالنحل الأرضي، وإطلاق مبادرات بحثية يشارك فيها الجمهور، بحيث يساعد غير المتخصصين العلماء في رصد مواقع تجمعات النحل وتسجيلها وحمايتها، بما يساهم في حماية هذه النظم البيئية قبل فقدانها بشكل غير قابل للتعويض.